رئيس التحرير
عصام كامل

"أنا المحافظ".. موظف الشهر العقاري يتحدى محافظ أسوان: "وأنت مش رئيسي".. من يملك تفتيش دفتر الحضور؟

جانب من الواقعة
جانب من الواقعة
18 حجم الخط

هل مجرد وجود مكتب حكومي داخل نطاق المحافظة يمنح المحافظ حق التفتيش والاطلاع على دفاتر العاملين به؟ وهل يستطيع المحافظ أن يطلب من موظف تابع لوزارة العدل الوقوف أمامه أو مغادرة مكتبه أو كشف دفتر الحضور والانصراف؟

الأسئلة فرضتها الواقعة التي شهدها أحد مكاتب الشهر العقاري بأسوان، بعدما تردد أن المهندس عمرو لاشين محافظ اسوان طلب من أحد العاملين الوقوف، ثم طلب الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف، وهو ما قوبل بالرفض، بدعوى أن الموظف يتبع مصلحة الشهر العقاري التابعة لوزارة العدل، وليس للمحافظة.

محافظ اسوان 
محافظ اسوان 

بعيدا عن تفاصيل الواقعة ومن كان على حق في الحوار الذي دار داخل المكتب، هناك سؤال أهم: ماذا يقول القانون عن حدود سلطة المحافظ؟

للإجابة، كان لا بد من الرجوع إلى أحد الذين تولوا مسؤولية مصلحة الشهر العقاري، سامي إمام، رئيس قطاع مصلحة الشهر العقاري السابق، الذي أكد في تصريحات خاصة لـ"فيتو" أن المصلحة تتبع وزارة العدل، ولا تخضع لإشراف أو تفتيش المحافظين أو رؤساء الجهات الحكومية الأخرى.

وقال إمام إن القانون رقم 5 لسنة 1964 نظم وضع مصلحة الشهر العقاري، باعتبارها مصلحة قائمة بذاتها تتبع وزارة العدل، ومن ثم فإن الرقابة والإشراف الإداري عليها يكونان من خلال الوزارة والقيادات المختصة بها، وليس المحافظين.

وأضاف أن هناك واقعة سابقة لحافظ الأقصر، عندما طلب الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف، موضحا أن هذا الدفتر من أعمال المصلحة، ولا يملك أي مسؤول من خارج وزارة العدل الاطلاع عليه باعتباره أداة من أدوات المتابعة الإدارية للعاملين. 

وأوضح أن رؤساء الوحدات المحلية التي تقع في نطاقها مكاتب الشهر العقاري لا يملكون سلطة الرقابة على هذه المكاتب، ولا حتى توجيه الأسئلة إلى العاملين بشأن أوراق أو معاملات تخص عملهم، لأن التبعية الإدارية للمصلحة ليست للوحدة المحلية.

المحافظ طلب مني نقل موظف.. فقلت له: مش من سلطتك!

وكشف رئيس قطاع الشهر العقاري السابق عن واقعة أخرى قال إنها حدثت معه عندما كان يتولى مسؤولية القطاع، موضحا أنه فوجئ باتصال من أحد المحافظين خلال فترة حكم الإخوان يطلب منه نقل أحد الموظفين من الفرع الذي يعمل به، بسبب عدم إنهاء إجراء خاص به.

وقال إمام إنه رفض تنفيذ الطلب، وأوضح للمحافظ أن الأمر ليس من سلطته، وأنه أمام مصلحة الشهر العقاري مواطن له الحق في الحصول على الخدمة، وله أيضا حق تقديم شكوى إذا كان يرى أن هناك تقصيرا أو مخالفة، على أن تقوم المصلحة بفحصها واتخاذ ما يلزم بشأنها.

وشدد على أن نصوص القانون لا تمنح المحافظ سلطة الاطلاع على أوراق ودفاتر أي فرع من فروع الشهر العقاري، حتى لو كان الفرع يقع داخل نطاق المحافظة، موضحا أن للمحافظ سلطات إشرافية على الوحدات المحلية والقطاعات التي تدخل في نطاق اختصاصه، مثل الصحة والتعليم والتموين والتضامن وغيرها، لكن ذلك لا يمتد تلقائيا إلى الجهات التي تظل تابعة لوزاراتها المركزية.

هل أخطأ الموظف؟.. نعم أدبيا فقط!

وعن واقعة رفض الموظف الوقوف أمام المحافظ، قال إمام: إن الموظف أخطأ أدبيا في عدم الوقوف للمحافظ باعتباره مسؤولا عن الإقليم، وربما حدث لديه خلط بين واجب الاحترام وبين التبعية الوظيفية.

لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذا الأمر مختلف تماما عن مسألة الاختصاص الإداري، موضحا أن المحافظ ليس رئيسا مباشرا لموظف الشهر العقاري، ولا يملك إصدار أوامر وظيفية له باعتباره تابعا لوزارة العدل.

وأشار إلى أن من الطبيعي أن يتم الاستماع إلى أطراف الواقعة للوقوف على حقيقة ما حدث، خاصة أن التفاصيل المتداولة لا تكفي وحدها للحكم على تصرف أي طرف.

«المحافظ زيه زي أي مواطن»

ولعل الجملة الأوضح التي قالها رئيس قطاع الشهر العقاري السابق تلخص المسألة كلها: المحافظ أمام مصلحة الشهر العقاري، فيما يتعلق بالحصول على الخدمة، مواطن له كامل الاحترام، لكنه ليس رئيسا إداريا للعاملين بها.

وأكد إمام أن مأموري الشهر العقاري مطالبون بحسن معاملة جميع المواطنين، أيا كانت مواقعهم أو وظائفهم، مشيرا إلى أنه كان يستقبل آلاف الطلبات يوميا من الوزير والغفير، والمهندس والطبيب، والضابط ورئيس المحكمة والمحامي، وغيرهم من مختلف فئات المجتمع.

وأضاف أن حسن معاملة الجمهور من أساسيات مهنة مأموري الشهر العقاري، وهو أمر لا يتعارض مع تمسك الموظف بالتسلسل الوظيفي وحدود الاختصاص.

وهنا تعود الواقعة إلى مربعها الحقيقي.

المحافظ له سلطاته.. ووزارة العدل لها اختصاصاتها.. والموظف عليه واجباته.. لكن لا أحد فوق القانون.

فإذا ثبت أن المحافظ طلب الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف دون أن يكون له سند في الاختصاص، فالسؤال القانوني يصبح مشروعا: هل كان يباشر سلطة مقررة له أم يتدخل في اختصاص جهة أخرى؟

وإذا كان الموظف قد رفض الوقوف، فهناك فارق بين أن يخطئ في واجب أدبي يتعلق بحسن التعامل والاحترام، وبين أن يرفض أمرا وظيفيا لا يملكه من أصدره.

أما الشهر العقاري، فهو ليس جهة قضائية بالمعنى الدقيق، وموظفوه ليسوا قضاة، لكنه في الوقت نفسه ليس مرفقا تابعا للمحافظة، وإنما جهة تتبع وزارة العدل وتمارس أعمالا قانونية تتعلق بالتسجيل والتوثيق والشهر.

وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد "وقف موظف أم لم يقف".

السؤال الحقيقي: أين تنتهي سلطة المحافظ، وأين يبدأ اختصاص وزارة العدل؟

فالمناصب لا تلغي الاختصاص، والاحترام لا يعني التبعية، ووجود مصلحة حكومية داخل حدود محافظة لا يجعل كل العاملين بها موظفين تابعين للمحافظ.

الجريدة الرسمية