رئيس التحرير
عصام كامل

حين يتصدر العلماء الشاشات.. من يعيد لمصر قدوتها؟

18 حجم الخط

في الصين حدث شيء يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا. لم تغيّر الشاشات في الميادين والطرقات إعلاناتها فقط، وإنما غيّرت رسالتها. وجوه العلماء والباحثين والمهندسين تصعد إلى الواجهة، لتحل محل الوجوه التي اعتاد الناس أن يروها في حملات الترويج والدعاية. 

عالم في الطب هنا، وباحث في الفضاء هناك، ومهندس صنع فارقًا في مسيرة التكنولوجيا. كأن الصين تقول لمواطنيها، بصمت الصورة قبل ضجيج الكلام: هؤلاء هم الذين يستحقون أن تعرفوهم، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا قدوة.


المسألة أبعد من إعلان، وأعمق من صورة معلقة على شاشة. إنها معركة على الوعي، وعلى تعريف النجاح، وعلى تشكيل خيال الأجيال. فالمجتمع لا يتعلم من الكتب وحدها، ولا يتشكل وعيه داخل المدرسة فقط. إنه يتعلم مما يراه كل يوم. من الوجوه التي تملأ الشاشات. ومن الأسماء التي تتكرر. 

ومن الشخصيات التي تمنحها المنصات مساحة الحضور والتأثير. وما نراه كثيرًا يتحول مع الوقت إلى ما نعتبره مهمًا، وما نعتبره مهمًا يصبح في النهاية ما نطمح إلى أن نكونه. وهنا تكمن خطورة المسألة.


حين يصبح الشهرة هدفًا في ذاتها، وينفصل الظهور عن القيمة، يمكن أن يصبح صاحب أعلى ضجيج أكثر تأثيرًا من صاحب أعظم إنجاز. ويصبح عدد المتابعين أهم من عدد الكتب التي قرأها صاحبها، وعدد المشاهدات أهم من عدد الأرواح التي أنقذها طبيب، أو الاختراعات التي قدمها عالم، أو العقول التي صقلها معلم.


ليس العيب في الفن، ولا في الشهرة، ولا في الترفيه. فالفن الحقيقي جزء من قوة المجتمع ووجدانه، وصنع الحضارة المصرية في كل عصورها فنانون عظماء تركوا أثرًا لا يمحى. لكن الخطر يبدأ عندما يتراجع الفن الذي يبني الذوق لصالح ابتذال يتاجر بالغرائز، وعندما تتحول الشهرة من مكافأة على الموهبة إلى سلعة تُصنع بالخفة والإثارة والضجيج. عندها تختلط المعايير.


يصبح الصخب موهبة، والابتذال جرأة، والسخرية من القيم تحررًا، والتجاوز بطولة، ومن لا يملك مضمونًا يستطيع أن يصنع لنفسه حضورًا إذا امتلك ما يكفي من الضجيج. وهكذا قد يجد الطفل نفسه أمام نماذج مشوهة للنجاح، بينما يغيب عنه العالم الذي أفنى عمره في المختبر، والطبيب الذي يقضي يومه بين المرضى، والمهندس الذي يبني، والمعلم الذي يصنع العقول، والباحث الذي يفتح نافذة جديدة للمستقبل.

ثم نسأل بعد ذلك: لماذا عزف أبناؤنا عن العلم؟ ولماذا أصبح حلم بعضهم أن يكون مشهورًا قبل أن يكون نافعًا؟ ولماذا صار الظهور أحيانًا أهم من الإنجاز؟


إننا لا نعاني فقط من أزمة قدوة، وإنما من أزمة ترتيب للأولويات. لقد كانت مصر، في أزمنة ليست بعيدة، تعرف أسماء علمائها ومفكريها ومبدعيها. كان أحمد زويل نموذجًا للعالم الذي خرج من هذه الأرض ووصل إلى قمة العلم، وكان مجدي يعقوب عنوانًا للإنسان الذي جعل من المعرفة رسالة، وكان نجيب محفوظ نموذجًا للمبدع الذي عبر بالأدب المصري إلى العالمية. وغيرهم كثيرون ممن أثبتوا أن المصري حين يجد طريقه يستطيع أن يصنع أثرًا يتجاوز الحدود.


فلماذا لا نعيد هؤلاء وأمثالهم إلى الواجهة؟ لماذا لا تتحول ميادين القاهرة والإسكندرية والمنصورة وأسيوط وسائر المدن المصرية إلى معرض مفتوح لوجوه النجاح الحقيقي؟ لماذا لا تحمل الشاشات العملاقة صور علماء مصر ومخترعيها وأطبائها ومهندسيها ومعلميها ورواد أعمالها ومبدعيها الحقيقيين، إلى جانب الفنانين والمثقفين الذين يضيفون إلى وجدان الناس ولا ينتقصون منه؟

لماذا لا نحتفي بالتلميذ المصري الذي فاز في مسابقة علمية دولية، كما نحتفي بنجم صعد إلى منصة فنية؟ لماذا لا يعرف أطفالنا أسماء أصحاب الإنجازات العلمية كما يحفظون أسماء المشاهير؟
 

المطلوب ليس إقصاء أحد، وإنما إعادة التوازن إلى المشهد.. نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف الشهرة نفسها. أن نقول لأبنائنا إن الشهرة ليست قيمة بذاتها، وإن الإنسان لا يصبح عظيمًا لأنه معروف، وإنما يصبح جديرًا بالمعرفة لأنه صنع شيئًا يستحق أن يُعرف.


يمكن لمصر أن تطلق مشروعًا وطنيًا للقدوة، تتعاون فيه مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والبحث العلمي، فتخصص مساحات من الشاشات واللوحات العامة للتعريف بنماذج مصرية مضيئة في العلم والفن والأدب والرياضة والعمل العام. ويمكن للمدارس والجامعات أن تجعل من هذه النماذج جزءًا من الوعي اليومي للطلاب، لا أسماء عابرة في صفحات الكتب.


فالطفل الذي يرى العالم على شاشة الشارع قد يسأل أمه: من هذا؟ فتقول له: عالم مصري اكتشف كذا. وربما ينام الطفل في تلك الليلة وهو يحلم أن يصبح مثله. وهنا تبدأ صناعة المستقبل. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع ليس أن يفقد بعض أبنائه طريقهم، وإنما أن يفقد القدرة على أن يدلهم على الطريق.


وحين تصبح القدوة غائبة، يملأ الفراغ من يستطيع الوصول إلى الشاشة، لا من يستحق الوصول إليها. والشاشة ليست مجرد زجاج مضيء؛ إنها مرآة للمجتمع، وأحيانًا تكون يدًا خفية تعيد تشكيله. فإذا ملأناها بالمعرفة، كبر فينا العقل.
وإذا ملأناها بالجمال الحقيقي، تهذب الذوق. وإذا ملأناها بالإنجاز، نما الطموح.

أما إذا تركناها للضجيج والابتذال، فلا ينبغي أن نتعجب حين يكبر جيل لا يعرف إلى أين يمضي. ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا لكنه شديد القسوة: من نريد أن يراه أطفالنا عندما يرفعون أعينهم إلى الشاشات؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون، في الحقيقة، إجابة عن سؤال أكبر: أي جيل نريد أن تصنع مصر غدًا؟!

الجريدة الرسمية