رئيس التحرير
عصام كامل

هل سمعته من قبل؟!

18 حجم الخط

كثيرا ما تقودنا صدفة إلى سؤال يدعو إلى البحث. هذا ما حدث معي عندما استوقفني مقطع فيديو عابر على إحدى المنصات الرقمية، كانت موسيقاه تحمل حزنا هادئا. دفعني الفضول إلى البحث عنها، لأكتشف أنها أغنية الليلة المظلمة إحدى أشهر الأغنيات السوفيتية التي كُتبت عام 1943 أثناء الحرب العالمية الثانية، من ألحان نيكيتا بوغوسلوفسكي، وكلمات فلاديمير أغاتوف، وغناها الفنان مارك بيرنس في فيلم مقاتلان. 

 

أغنية لا تتحدث عن الحرب بقدر ما تتحدث عن الإنسان داخلها، جندي يقضي ليلته بين صوت الرصاص وصورة زوجته وطفله، فيتحول الحنين إلى لحن شجي، ويصبح الخوف أكثر هدوءا حين يغنيه. 


لكن المفاجأة لم تكن في تاريخ الأغنية، وإنما في الإحساس بأنني قد سمعتها من قبل. فقد وجدت نفسي أستحضر جزءا من لحن أغنية مستمدة من التراث الأمازيغي والتي وظفت بالفيلم المصري الفيل الأزرق. 

 

لم يكن التشابه في الجملة اللحنية بالمعنى الحرفي، بل في المناخ النفسي الذي يخلقه اللحن، وفي تلك المساحة التي يلتقي فيها الحزن بالتأمل، والسكينة بالغموض. كما أن هناك تقاربا في الإحساس المقامي، إلى جانب البطء الإيقاعي وطبيعة الأداء التأملي، وهي عناصر أسهمت في بناء حالة تعبيرية متقاربة، رغم اختلاف المرجعية التاريخية والثقافية لكل منهما. 

لذلك بدا التشابه أقرب إلى البنية التعبيرية التي تصنع الأثر الوجداني، وليس التطابق اللحني الذي يمكن الاستدلال به على الاقتباس.


وهنا يبرز سؤال طالما أثاره النقد الموسيقي: هل كل تشابه بين عملين يعني وجود اقتباس؟
الإجابة ليست بهذه البساطة. فالنقد الموسيقي يفرق بين الاقتباس، حيث تنتقل جملة لحنية أو فكرة موسيقية يمكن التعرف إليها داخل عمل جديد، وبين التأثر الذي يتمثل في استلهام روح موسيقية أو بناء تعبيري دون نقل اللحن نفسه، وبين التشابه العفوي الذي قد ينشأ لأن الموسيقى مهما اختلفت ثقافاتها، تلجأ أحيانا إلى الوسائل التعبيرية نفسها للتعبير عن المشاعر الإنسانية ذاتها.


وقد أكد الناقد والمؤرخ الموسيقي الدكتور زين نصار في كتاباته عن التذوق والنقد الموسيقي أن الحكم على أي عمل لا يقوم على الانطباع السمعي وحده، بل على تحليل عناصره البنائية من المقام، والحركة اللحنية، والإيقاع، والتكوين العام. وهي رؤية تجعل التسرع في إطلاق أحكام الاقتباس نوعا من التبسيط الذي لا يليق بفن واسع الأفق مثل الموسيقى.


لذلك لا أستطيع أن أجزم بوجود علاقة مباشرة بين الأغنية الروسية واللحن الأمازيغي، ولا أملك ما يثبت انتقال فكرة موسيقية من أحدهما إلى الآخر. لكنني أملك، كمستمع وناقد، حق التساؤل: لماذا استطاع لحن خرج من قلب الحرب في أوروبا أن يوقظ داخلي الإحساس نفسه الذي صنعه لحن قادم من عمق التراث الأمازيغي؟


ربما لأن الموسيقى، في جوهرها، لا تعترف بالحدود الجغرافية، فالحزن لا يحتاج إلى مترجم، والحنين لا يعرف لغة بعينها، والإنسان، منذ فجر التاريخ، يعبر عن انكساراته بالأصوات ذاتها وإن اختلفت المقامات والآلات.

ولعل هذا هو سر الموسيقى الحقيقي، أنها لا توحد الألحان بل توحد المشاعر. فبين ليلة روسية مظلمة، ولحن أمازيغي عابر للزمن، اكتشفت أن أكثر ما يربط الشعوب ليس التاريخ المشترك، وإنما الإحساس المشترك.. ذلك الذي يجعلنا أحيانا نظن أننا سمعنا اللحن نفسه، بينما الذي تشابه في الحقيقة هو نبض الإنسان.

الجريدة الرسمية