رئيس التحرير
عصام كامل

ماذا تريد مصر من الصين؟.. زيارة شي تطرح فرصا جديدة للاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات.. خبراء: الشراكة الحقيقية تبدأ من الإنتاج المحلي وتنتهي بزيادة الصادرات إلى السوق الصينية

الرئيس الصيني والرئيس
الرئيس الصيني والرئيس المصري
18 حجم الخط

تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت تشهد فيه العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين زخما متزايدا وسط تطلع إلى تحويل قوة العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين إلى شراكة أكثر توازنا تقوم على زيادة الاستثمارات الصناعية وتعميق التصنيع المحلي ورفع الصادرات المصرية إلى السوق الصينية إلى جانب نقل التكنولوجيا وتطوير الكوادر المصرية.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، أن السؤال الرئيسي في العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية  لم يعد مرتبطا بحجم التجارة فقط وإنما بنوعية القيمة التي تحصل عليها مصر من هذه العلاقة ومدى انعكاسها على الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل.

وأوضح أبو الفتوح أن التبادل التجاري بين البلدين يعكس  اتساع قاعدة العلاقات لكنه في الوقت نفسه يكشف عن اختلال واضح لصالح الجانب الصيني، إذ سجل التبادل التجاري خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025 نحو 6.845 مليار دولار مقابل واردات مصرية بلغت نحو 6.609 مليار دولار بينما لم تتجاوز الصادرات المصرية إلى الصين نحو 235.6 مليون دولار.

وأشار إلى أن معالجة هذا الاختلال تتطلب الانتقال من الاعتماد على استيراد المنتجات النهائية إلى بناء قاعدة إنتاجية قادرة على الاستفادة من الاستثمارات الصينية خاصة في القطاعات التكنولوجية والصناعية ومن بينها الاتصالات والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات.

الدكتور هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي
الدكتور هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي

وأكد أن الفرصة الأكبر أمام مصر لا تتمثل فقط في استضافة فروع للشركات الصينية وإنما في جذب استثمارات تنشئ مراكز للبحث والتطوير وتدرب الكفاءات المصرية، وتساهم في تصنيع أجزاء من المنتجات محليا مع دمج الشركات الصغيرة والمتوسطة المصرية في سلاسل التوريد المرتبطة بالمشروعات الصينية.

وشدد أبو الفتوح على أن تقييم الاستثمارات الصينية الجديدة يجب ألا يعتمد فقط على قيمة الاستثمار أو عدد المصانع التي يتم إنشاؤها وإنما على قدرتها على تحقيق أثر اقتصادي مستدام من خلال زيادة المكون المحلي ونقل الخبرات والتكنولوجيا وخلق فرص عمل، وتعزيز قدرة الشركات المصرية على التصدير.

كما أكد أهمية إشراك الجامعات ومراكز البحث المصرية في هذه الشراكة عبر إقامة مشروعات بحثية وتطبيقية مرتبطة باحتياجات الصناعة والاستثمارات الجديدة، معتبرا أن مستقبل التعاون المصري الصيني يرتبط بقدرة مصر على الانتقال من مجرد استخدام التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها وتطويرها.

زيادة الصادرات.. الطريق إلى شراكة أكثر توازنا

ومن جانبه يتفق الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، مع أهمية إعادة توجيه العلاقات المصرية الصينية نحو زيادة الصادرات والاستثمارات الصناعية معتبرا أن زيارة الرئيس الصيني تمثل محطة مهمة لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وفتح آفاق جديدة أمام المنتجات المصرية في السوق الصينية.

وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025 إلا أن الجانب الأكبر منه جاء في صورة واردات مصرية من الصين التي بلغت نحو 19.9 مليار دولار مقابل صادرات مصرية لم تتجاوز نحو 880 مليون دولار وهو ما يعكس عجزا تجاريا هيكليا لصالح الصين.

ورغم ذلك، لفت الشافعي إلى وجود تحسن في الصادرات المصرية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 التي ارتفعت بنسبة 212.6% لتصل إلى نحو 737.6 مليون دولار مقارنة بنحو 235.9 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025 بينما بلغ إجمالي التبادل التجاري خلال تلك الفترة نحو 9.1 مليار دولار، ويرى أن استمرار هذا التحسن يتطلب توسيع قاعدة السلع المصرية القادرة على النفاذ إلى السوق الصينية خاصة المنتجات التي تتمتع مصر فيها بمزايا تنافسية.


وتبرز وفقا للشافعي قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والغزل والنسيج والقطن والرخام والجرانيت ومواد البناء إلى جانب المخصبات الزراعية والبتروكيماويات باعتبارها من المجالات التي يمكن أن تشهد نموا أكبر في الصادرات المصرية إلى الصين.

الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي
الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي

وأشار إلى أن المنتجات الزراعية والحاصلات البستانية وعلى رأسها الموالح والبرتقال والفراولة المجمدة والمانجو والرمان والتمور تمثل فرصا واعدة إلى جانب الفول السوداني والسمسم والنباتات الطبية والعطرية.

كما لفت إلى أن القطن المصري طويل التيلة والغزل والمنسوجات يمكن أن يستفيدا من الطلب الصيني في حين يمثل الرخام والجرانيت ومواد البناء مجالا آخر يمكن أن تستفيد منه مصر في ظل ما تتمتع به بعض منتجاتها من مزايا تتعلق بالتكلفة والجودة.

وأكد الشافعي أن زيادة الصادرات يجب ألا تتوقف عند تصدير المواد الخام وإنما تمتد إلى المنتجات ذات القيمة المضافة بالتوازي مع جذب المزيد من الاستثمارات الصينية التي تستهدف التصنيع داخل مصر وإعادة التصدير إلى السوق الصينية والأسواق الأخرى.

وأضاف أن زيادة الاستثمارات الصينية يمكن أن تساهم في توطين الصناعة وتعميق التصنيع المحلي وخلق فرص للتصدير العكسي إلى الصين بما يدعم جهود مصر لزيادة مواردها الدولارية وتقليص الفجوة التجارية.

اليوان.. أداة لتمويل التجارة وليس بديلا كاملا للدولار

وفي جانب آخر من الشراكة الاقتصادية، ترى الدكتورة يمنى الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، أن تطوير آليات التمويل والتسوية بين البلدين يمكن أن يمثل عاملا مساعدا لتعميق العلاقات التجارية والاستثمارية خاصة مع تنامي استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية.

وأوضحت الحماقي أن اليوان الصيني أصبح من أبرز العملات الصاعدة في النظام المالي العالمي وأن إدراجه ضمن سلة حقوق السحب الخاصة عزز من مكانته الدولية، مشيرة إلى أن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية تدفع عددا من الدول إلى تنويع أدوات التجارة والمدفوعات وتقليل الاعتماد على الدولار.

وترى أن اتفاقية مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني والتي ارتفعت قيمتها إلى 30 مليار يوان، توفر إطارا يمكن أن يساعد على زيادة استخدام الجنيه واليوان في تسوية جانب من المعاملات التجارية والمالية بين البلدين بما قد يقلل الحاجة إلى المرور بالدولار في بعض العمليات.

الدكتورة يمنى الحماقي أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس
الدكتورة يمنى الحماقي أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس


وتؤكد الحماقي أن استخدام اليوان لا يمثل هدفا قائمًا بذاته، وأن الاستفادة الحقيقية من هذه الآلية ترتبط بزيادة حجم التجارة والاستثمار المتبادل وخلق تدفقات أكثر توازنًا بين البلدين وتحذر من أن التوسع في استخدام اليوان لتمويل الواردات المصرية من الصين من دون زيادة موازية في الصادرات المصرية قد يجعل الاستفادة محدودة إذ ستظل العملة الصينية مرتبطة بشكل أساسي بتمويل جانب من المشتريات المصرية من السوق الصينية.

وتوضح الحماقي العلاقة  بين ملف العملات المحلية وملفات الإنتاج والتصدير والاستثمار، مؤكدة أن زيادة الصادرات المصرية إلى الصين وجذب استثمارات صينية تستهدف التصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا يمكن أن تجعل تدفقات اليوان إلى السوق المصرية أكثر توازنا واستدامة.

وترى أن التطور التكنولوجي يمكن أن يدعم هذا المسار أيضا في ظل تجربة الصين في المدفوعات الرقمية واليوان الإلكتروني بما يعكس تحول المنافسة بين العملات من مجرد حجم الاقتصاد والتجارة إلى امتلاك أنظمة دفع وبنية مالية وتكنولوجية متطورة.


من حجم التجارة إلى جودة الشراكة


واوضحت أن الفرصة التي تتيحها زيارة الرئيس الصيني لمصر لا ترتبط فقط بإبرام اتفاقيات جديدة أو زيادة أرقام التبادل التجاري وإنما بإعادة صياغة طبيعة الشراكة الاقتصادية نفسها  وتركز على ضرورة تحويل الاستثمارات الصينية إلى إنتاج محلي ونقل للتكنولوجيا وتدريب للكفاءات وإدماج الشركات المصرية في سلاسل التوريد بالاضافة الى استغلال السوق الصينية الواسعة لزيادة الصادرات المصرية خاصة في القطاعات الزراعية والصناعية ذات الميزة التنافسية.


وترى أن هناك علاقة واضحة بين هذه الملفات وبين تطوير أدوات تمويل التجارة واستخدام العملات المحلية، مؤكدة أن اليوان يمكن أن يصبح شريكا مهما للدولار في تمويل التجارة المصرية الصينية لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد المصري على زيادة الإنتاج والصادرات وجذب الاستثمارات.


وأضافت الدكتورة يمن أن الرئيس الصيني فرصة لانتقال العلاقات المصرية الصينية من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة والاستيراد إلى نموذج أكثر تكاملا تتداخل فيه الاستثمارات مع التصنيع ونقل التكنولوجيا والتصدير بما يسمح بتحويل السوق المصرية إلى قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الصينية وفي الوقت نفسه يمنح المنتجات المصرية فرصة أكبر للوصول إلى السوق الصينية وتبقى قدرة مصر على تعظيم هذه الفرصة مرتبطة بمدى نجاحها في جذب استثمارات ذات قيمة مضافة وزيادة المكون المحلي وتأهيل العمالة وربط الجامعات ومراكز البحث باحتياجات الصناعة وفتح قنوات أوسع أمام الصادرات المصرية بحيث لا تظل الشراكة مع الصين مجرد علاقة تجارية واسعة وإنما تتحول إلى شراكة إنتاجية وتكنولوجية أكثر توازنًا واستدامة.

الجريدة الرسمية