شركاء النصب
شاب عاطل انتحل صفة قاض، الخبر ليس جديدًا، فمثله كثر، ينتحلون صفة مستشار وطبيب وصحفي وضابط وإعلامي وخبير إستراتيجي، الشاب سوف يعاقب، لكن النصب بإنتحال الصفات لن يتوقف، ونظرة سريعة على مواقع التواصل الإجتماعي سوف نجد إعلاميين وما هم بإعلاميين، ودكاترة لم يكملوا تعليمهم، ومستشارين لم يدخلوا يومًا محكمة..
أزمة هذا الشاب والتي كانت سببًا في هذه الضجة هي محاولته التجويد في أدوات النصب. فقد تجاوز مرحلة الفجور عندما قدم رشوة لثلاثة موظفين في المحكمة ليصور مجموعة من الفيديوهات في إحدى القاعات وهو يرتدي وشاح القضاة، هذه التفاصيل التي تضمنتها الفيديوهات تسهل عليه عمليات النصب، وأشك أننا سنجد من يتحلى بالشجاعة من ضحاياه ويعلن عن نفسه.
الموظفون الثلاثة ليسوا وحدهم شركاء النصب في هذه الواقعة، هناك شركاء آخرين في مقدمتهم الإعلام، فالشاب كان ضيفًا في إحدى قنوات بيع الهواء، وكان الحوار معه حول كفاحه بعد وفاة والده وتفوقه الدارسي حتى أصبح قاضيًا، هذا اللقاء التليفزيوني مع الفيديوهات التي صورها في المحكمة أكبر (عدة نصب) تسهل عليه الإيقاع بضحاياه.
العوام وكثير من المتعلمين لا يفرقون بين قنوات بيع الهواء وCNN، كل القنوات عندهم تليفزيون، فكيف يشك الضحايا في شاب ظهر على الشاشة بصفة قاض؟ ألف جنيه دفعها النصاب المنتحل لصفة قاض ليظهر في برنامج يقدمه نصاب آخر إنتحل صفة إعلامي، والبرنامج تبثه قناة يقوم عليها نصاب ثالث علاقته بالإعلام مثل علاقة الشاب النصاب بالقضاء.
حذرنا عشرات المرات من قنوات بيع الهواء، وقلنا أنها أحد أهم أسباب تسطيح الرسالة الإعلامية، كما أنها مفرزة لمنتحلي صفة إعلامي من أنصاف المتعلمين والجهلاء، وتسهم في صناعة النصابين والمبتزين من ضيوف البرامج ومقدميها.
ما الذي يدفع شخصًا لدفع آلاف الجنيهات مقابل شراء نصف ساعة هواء في قناة؟ هل هذا الشخص موهوب ويرغب في نافذة يطل منها بعد أن فشل في إيجاد فرصة؟ أقولها صريحة.. كل من يشتري وقتًا في قناة يسعي لتحقيق مصالح شخصية مستخدمًا الشاشة التي يطل منها.
لن تتوقف مهزلة بيع الهواء إلا بوقفة جادة من الجهات المسؤولة، وإلا ستكون هذه الجهات شريكًا ليس فقط في تدني مستوى الرسالة الإعلامية.. ولكن أيضًا في التستر على قنوات أصبحت مفرزة للنصابين.
