رئيس التحرير
عصام كامل

الست المذيعة

18 حجم الخط

استجبت لرغبة ابنتي في حضور حفل انتهائها من دراسة المرحلة الثانوية، جلست بين الحضور وبجواري زوجتي وبناتي، نتبادل النظرات مع أمثالنا الذين دفعوا ثمن التذاكر أو ثمن الفرحة بلحظات ذكر أسماء أبنائنا وتسليمهم الشهادات، والفرحة أيضًا بتلك الاستراحة القصيرة من الدروس الخصوصية المغالى في أسعارها، ومن فرمانات المدرسين بأن يكون التعامل بيننا همسًا طوال فترة الدرس.


قبل الحفل بساعة.. لفت نظري ومعي الكثيرين تلك السيدة التي تخترق الصفوف لتجلس في الصف الأول، ثم تعاود السير بين الحضور مرة بعد الأخرى، يسير خلفها بودي جارد، يرتدي نظارة سوداء ظلت على وجهه حتى الانتهاء من الحفل ليلًا، وأمامها مصور يطاردها بالكاميرا ليرصد كل تحركاتها.. 

 

كثيرون كانوا يهمسون نفس الهمس الذي يفرضه علينا المدرسين في منازلنا أثناء حصة الدرس الخصوصي، الهامسون كانوا يسألون: من هذه السيدة؟ هي ليست مديرة المدرسة، ولا مديرة الإدارة، ولا مندوبة عن جهة معينة، إستقر الجميع في أماكنهم، وبدأ الحفل، كنا نصفق فرحين بإطلالة أبنائنا بالروب والكاب، حتى جاءت الإجابة على السؤال الذي كان القاسم المشترك بين الحضور.. من هذه السيدة؟

 
كان لها تقديم خاص.. والآن مع الإعلامية الكبيرة، وقالوا إسمها، كان طبيعيًا أن تسألني زوجتي ومن بعدها بناتي: هل تعرفها ؟ أقسمت أنني لا أعرفها، ولم أنل شرف رؤيتها على الشاشة، وهذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها إسمها، وقلت أنها ربما تعمل في قناة عربية أو أجنبية، وأثناء الكلمة التي ألقتها والتي لا أعرف سببًا لها..

بدأت أشعر أنها من مذيعات قنوات بيع الهوا، وبعد الحفل كان العمال في المدرسة يمهدون لها الطريق للمرور بين الحضور (وسع الطريق علشان الست المذيعة تعدي) سألت أحد العمال: في أي قناة تعمل الست المذيعة؟ وبرد العامل تأكدت أنها كانت تشتري هواء في بعض القنوات المعروفة ببيع الهواء.
 

نسيت ابنتي وبدأت أفكر في الوضع الذي آل إليه الإعلام، وفي مصطلح إعلامي الذي أصبح مستباحًا، وفي حفاوة البسطاء بمن يظهر أمام الكاميرا حتى لو كان بفلوسه، وفكرت في توجيهات الرئيس بعقد مؤتمر سنوي لمناقشة أوضاع الإعلام، وفي المسؤولية التي تاهت بين وزارة الدولة للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، ونقابة الإعلاميين.
 

ثم تساءلت: أين مخرجات الحوار الوطني الخاصة بالإعلام؟ وأين مخرجات المؤتمر الذي ترأسه رئيس المجلس الأعلى للإعلام بلجانه الكثيرة؟ وأين مخرجات المؤتمرات التي نظمتها نقابة الإعلاميين وكليات الإعلام في الجامعات المختلفة؟ هل ننسى كل هذا وتكون البداية يوم الثالث من ديسمبر المقبل وفقًا لتوجيهات الرئيس؟ 

عندما كان لدينا ماسبيرو وقناتين فقط تتبع القطاع الخاص.. لم يكن الإعلام قضية تستحق كل هذا النقاش، وعندما كان لدينا ثلاثة برامج فقط هي: البيت بيتك والعاشرة مساءً و90 دقيقة، كان المواطن المصري والعربي يسهر معها حتى لو إستمرت لساعات متأخرة من الليل، واليوم عندنا عشرات القنوات ومئات البرامج وميزانيات أكبر، ومع ذلك تراجع الإعلام، وتاهت المسؤولية.

أتمنى أن يكون مؤتمر ديسمبر المقبل مختلفًا عن مؤتمرات كثيرة سبقته، وأن يكون بداية لإعلام جاد يليق بمصر، خاصة أن لدينا ما نبني عليه في القطاعين العام والخاص.

الجريدة الرسمية
عاجل