رئيس التحرير
عصام كامل

لبنان من إنهاء الصراع إلى إدارة الأزمة

18 حجم الخط

على امتداد ما يقرب من عقدين، شكّلت حرب يوليو 2006 نقطة الارتكاز التي بُنيت عليها معادلة الاستقرار "الهش" في جنوب لبنان. فقد أرسى القرار الدولي 1701 قواعد اشتباك جديدة، جمعت بين انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وتعزيز وجود قوات الأمم المتحدة (اليونيفيل)، واحتواء المواجهة بين إسرائيل وحزب الله ضمن ضوابط حالت -رغم الخروقات المتكررة- دون الانزلاق إلى حرب شاملة. 

غير أن الحرب الأخيرة لم تُسقط هذه المعادلة فحسب، بل وضعت لبنان أمام مرحلة مختلفة تمامًا، لم يعد فيها الحديث يدور حول إنهاء الصراع، بقدر ما أصبح يدور حول كيفية إدارته ومنع انفجاره.


هذا التحول لا يرتبط فقط بحجم الدمار الذي أصاب الجنوب أو بالخسائر العسكرية التي تكبدها طرفا المواجهة، وإنما يعكس تغيرًا أعمق في البيئة الإقليمية والدولية التي تحكم الملف اللبناني. فالمفاوضات الجارية اليوم لا تسعى إلى إعادة إنتاج نموذج ما بعد 2006، وإنما تبحث عن صيغة جديدة لإدارة واقع فرضته الحرب، وتداخلت فيه الاعتبارات الأمنية اللبنانية مع الحسابات الإسرائيلية، كما ارتبط بصورة غير مسبوقة بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران.


لقد قام نموذج ما بعد 2006 على افتراض أن الردع المتبادل قادر على إنتاج استقرار طويل الأمد، حتى وإن ظل الصراع من دون تسوية سياسية نهائية. لكن السنوات التي أعقبت ذلك أثبتت أن هذا الردع كان هشًا، وأن آليات الرقابة الدولية لم تستطع منع إعادة بناء القدرات العسكرية أو وقف التحولات التي شهدتها البيئة العملياتية على جانبي الحدود. 

وعندما اندلعت الحرب الأخيرة، انهارت عمليًا الفرضية التي استند إليها القرار 1701، لتبدأ مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها وأهدافها عن كل ما سبقها.


ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى جنوب لبنان باعتباره مجرد منطقة يجب احتواء التهديد القادم منها، بل أصبحت تتعامل معه باعتباره فضاءً أمنيًا مفتوحًا تسعى إلى إعادة تشكيله بما يمنع عودة البيئة العسكرية التي سبقت الحرب. 

لذلك لم يعد الانسحاب الكامل من المناطق التي سيطرت عليها مسألة محسومة كما كان الحال بعد حرب 2006، بل تحول إلى ورقة تفاوضية تستخدمها تل أبيب لفرض ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز مضمون القرار 1701.


وفي المقابل، يجد لبنان نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فالدمار الواسع الذي أصاب القرى الحدودية واستمرار النزوح وتعثر إطلاق عملية إعادة الإعمار كلها عوامل تجعل استعادة الوضع السابق أمرًا شبه مستحيل. حتى إن السؤال المطروح لم يعد: متى يعود الجنوب إلى ما كان عليه؟، وإنما: كيف يمكن إعادة بناء منطقة تغيرت ملامحها الجغرافية والاجتماعية والأمنية بصورة عميقة؟.


هنا تبرز معضلة الدولة اللبنانية التي أصبحت للمرة الأولى الطرف المباشر في المفاوضات المتعلقة بمستقبل الحدود الجنوبية، بعدما كانت الأدوار موزعة سابقًا بين الدولة وحزب الله والوسطاء الدوليين، بما يمنح الدولة مساحة سياسية أكبر، لكنه في الوقت نفسه يحملها مسؤوليات أمنية وسيادية تتجاوز قدراتها الحالية، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض النقاط الحدودية، وبقاء ملف سلاح حزب الله خارج إطار أي تسوية نهائية.


هذا الملف تحديدًا يمثل العقدة الأكثر تعقيدًا في المشهد اللبناني. فالمشكلة لم تعد تقتصر على وجود سلاح خارج سلطة الدولة، بل أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكبر حول شكل النظام الأمني الذي سيحكم لبنان بعد الحرب. 

إذ يصعب تصور انتقال كامل للمسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني من دون تفاهم سياسي داخلي يحدد مستقبل هذا السلاح، وفي الوقت نفسه يصعب تحقيق مثل هذا التفاهم ما دام الصراع الإقليمي الذي أنتج هذا الواقع لم يصل بعد إلى تسوية.


من هنا، فإن المفاوضات الحالية تكشف أن لبنان لم يدخل بعد مرحلة السلام، وإنما انتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع؛ فوقف إطلاق النار لا يعني انتهاء الحرب بل يعني خفض مستوى المواجهة ومنع تحولها إلى حرب شاملة مع احتفاظ كل طرف بأدوات الضغط التي تمكنه من تحسين موقعه في أي مفاوضات لاحقة.


هذا الأمر يفسر استمرار إسرائيل في التأكيد على احتفاظها بحرية العمل العسكري داخل لبنان متى رأت أن أمنها مهدد، وهو ما يعني أن مفهوم الردع لم يعد يقوم على منع استخدام القوة، بل على تنظيم استخدامها ضمن حدود تمنع الانفجار الكامل، وهي المعادلة التي تختلف جذريًا عن تلك التي سادت بعد عام 2006، حين كان الهدف تثبيت وقف شامل للأعمال العدائية بينما يبدو الهدف اليوم هو إدارة مستوى العنف وليس إنهاء أسبابه.


ومن الواضح أن هذا التحول يعكس تغيرًا في المقاربة الأميركية التي، ورغم انخراطها المكثف في الوساطة، لا تبدو في موقع الساعي إلى فرض تسوية نهائية بقدر ما تعمل على منع انهيار الوضع الأمني. 

فواشنطن تدير الأزمة أكثر مما تحلها وتحرص على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة بين الأطراف المختلفة، مع السعي إلى منع توسع المواجهة إقليميًا، من دون ممارسة ضغوط كافية لفرض حل شامل للقضايا العالقة.


كما تنسجم هذه المقاربة مع السياسة الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط، التي باتت تقوم على احتواء بؤر التوتر بدلًا من حسمها، وإدارة الأزمات الإقليمية بطريقة تمنع تحولها إلى حروب واسعة قد تستنزف الموارد الأميركية أو تخلط أولوياتها الاستراتيجية. وبهذا المعنى، فإن جنوب لبنان أصبح جزءًا من منظومة أوسع لإدارة الأزمات الإقليمية لا ملفًا مستقلًا يمكن معالجته بمعزل عن بقية ساحات الصراع.


ولعل العامل الأكثر حسمًا في هذه المرحلة هو أن مستقبل الجنوب اللبناني لم يعد يتحدد فقط من خلال التفاوض بين بيروت وتل أبيب، بل بات مرتبطًا بصورة مباشرة بمآلات العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران؛ فكل تقدم في مسار التفاهم بين الطرفين ينعكس على مستوى التهدئة في لبنان، وكل تعثر في هذا المسار يرفع احتمالات عودة الساحة اللبنانية إلى واجهة المواجهة الإقليمية.


ومن ثم، فإن لبنان يقف اليوم عند مفترق تاريخي يختلف جذريًا عن كل ما عرفه منذ عام 2006. فالمعادلات التي حكمت الجنوب طوال السنوات الماضية لم تعد قائمة، وآليات الردع القديمة فقدت كثيرًا من فاعليتها، بينما لم تتبلور بعد معادلة جديدة قادرة على إنتاج استقرار دائم. 

 

ولذلك، فإن المرحلة الحالية لا تمثل انتقالًا من الحرب إلى السلام، بل انتقالًا من إدارة الاشتباك إلى إدارة صراع طويل الأمد، قد تنخفض فيه وتيرة العمليات العسكرية، لكن أسبابه البنيوية ستظل قائمة ما لم تُعالج الملفات السيادية والأمنية والإقليمية التي تقف وراءه.

في ضوء ذلك، تبدو المفاوضات الجارية محاولة لشراء الوقت أكثر من كونها مشروعًا لتأسيس سلام مستدام، لاسيما وأن القضايا الجوهرية، من مستقبل سلاح حزب الله إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ومن إعادة إعمار الجنوب إلى طبيعة التفاهم الأميركي–الإيراني، لا تزال جميعها مفتوحة.

وما لم تنضج تسويات إقليمية أشمل تعيد تعريف التوازنات في المشرق، فإن لبنان سيظل يعيش في المنطقة الرمادية الفاصلة بين الحرب والسلام، حيث تُدار الأزمات -لكنها لا تُحل- ويُخفَّض مستوى الصراع، لكنه لا ينتهي. والله أعلم.

الجريدة الرسمية