رئيس التحرير
عصام كامل

الحوثيون وإعادة رسم قواعد الاشتباك

18 حجم الخط

لم يكن إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) عن إدراج مطارات وموانئ ومنشآت حيوية سعودية ضمن بنك أهدافها، مرفقًا بعبارة الرد قادم، مجرد تهديد إعلامي عابر، بل يحمل دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز حادثة استهداف مطار صنعاء الدولي. 

فالتوقيت، وطبيعة الأهداف المعلنة، والخطاب السياسي المصاحب، جميعها تشير إلى أن الجماعة تسعى إلى إعلان انتهاء مرحلة استمرت عدة سنوات اتسمت بخفض التصعيد النسبي، والانتقال إلى معادلة ردع جديدة عنوانها نقل كلفة المواجهة إلى العمق السعودي.
 

ويأتي هذا التطور في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب في غزة، والمواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، وتصاعد أنشطة الفاعلين المسلحين المرتبطين بمحور المقاومة، الأمر الذي يجعل أي تصعيد على الجبهة اليمنية مرشحًا لتجاوز أبعاده الثنائية بين الرياض والحوثيين، ليتحول إلى جزء من المشهد الأمني الإقليمي الأوسع.


الجدير بالذكر أنه على امتداد السنوات الأخيرة ورغم استمرار التوتر العسكري نجحت السعودية وجماعة الحوثيين في إدارة مستوى معين من الاحتواء، مدعومًا بالمفاوضات غير المباشرة والوساطات الإقليمية، خصوصًا العمانية. لكن لم تصل المواجهة إلى مستوى استهداف مباشر واسع النطاق للمنشآت الحيوية داخل السعودية كما كان الحال خلال الفترة بين عامي 2019 و2021.


غير أن استهداف مطار صنعاء أعاد رسم قواعد الاشتباك من منظور الحوثيين؛ فالمطار لا يمثل مجرد منشأة مدنية، بل يحمل رمزية سياسية وسيادية، ويعد أحد أبرز المكاسب التي سعت الجماعة إلى تثبيتها خلال سنوات التهدئة. 

 

لذلك، فإن تصوير الضربة باعتبارها إنهاءً لمرحلة خفض التصعيد يهدف إلى إضفاء شرعية سياسية وعسكرية على أي رد مقبل، وإقناع الجمهور الداخلي بأن الجماعة انتقلت من موقع الدفاع إلى استعادة المبادرة. ومن هنا، لا يبدو أن الحوثيين ينظرون إلى استهداف المطار باعتباره حادثًا معزولًا، بل باعتباره تغييرًا في قواعد الاشتباك يستوجب ردًا يعيد تثبيت معادلة الردع.


كما إن إعلان الحوثيين أن لديها بنك أهداف يضم مطارات وموانئ ومنشآت اقتصادية سعودية على الجانب العسكري، إنما يحمل رسائل سياسية متعددة المستويات. 

فالرسالة الأولى موجهة إلى السعودية، ومفادها أن أي عودة إلى الخيار العسكري ستقابل باستهداف البنية التحتية الاقتصادية، بما يرفع كلفة التصعيد على المملكة. 

أما الرسالة الثانية فتتجه إلى الداخل اليمني، حيث تسعى الجماعة إلى ترسيخ صورة قدرتها على فرض معادلة ردع متكافئة مع دولة تمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا كبيرًا، وهو ما يعزز خطابها القائم على الصمود والرد بالمثل. 

في حين تستهدف الرسالة الثالثة الفاعلين الإقليميين والدوليين، ومضمونها أن استقرار البحر الأحمر، وأمن الطاقة، وحركة الطيران والموانئ، جميعها أصبحت ملفات مرتبطة مباشرة بمستوى التصعيد في اليمن، وهو ما يمنح الجماعة أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مقبلة.


ويلاحظ كذلك أن القائمة المنشورة لم تركز على أهداف عسكرية بحتة، وإنما شملت مطارات دولية وموانئ تجارية ومنشآت لوجستية بما يعكس استمرار اعتماد الحوثيين على استراتيجية استهداف البنية التحتية ذات التأثير الاقتصادي والنفسي، أكثر من السعي إلى تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة.


بجانب ذلك، تكشف التطورات الأخيرة أن الطرفين لم يعودا يسعيان إلى تحقيق حسم عسكري شامل بقدر ما يعمل كل منهما على إعادة بناء معادلة ردع تمنع الطرف الآخر من الذهاب بعيدًا في التصعيد. 

فالسعودية، بعد سنوات من الحرب، باتت أكثر حرصًا على حماية مشروعها الاقتصادي ورؤية 2030، التي تقوم على جذب الاستثمارات وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للأعمال والسياحة والخدمات اللوجستية. 

ومن ثم فإن أي استهداف متكرر للمطارات أو منشآت النفط أو الموانئ لا يمثل مجرد تحدٍ أمني بل يحمل انعكاسات مباشرة على البيئة الاستثمارية والثقة الاقتصادية.


في المقابل، يدرك الحوثيون أن قدرتهم على إحداث تأثير استراتيجي لا تعتمد على السيطرة على مساحات جديدة من الأراضي، بقدر اعتمادها على امتلاك وسائل ضغط تجعل تكلفة استئناف العمليات العسكرية ضدهم مرتفعة سياسيًا واقتصاديًا. 

ومن هنا، فإن التهديد باستهداف العمق السعودي لا ينبغي قراءته باعتباره مؤشرًا على رغبة الجماعة في حرب مفتوحة، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تثبيت معادلة ردع جديدة تمنع الرياض من العودة إلى سياسة الضغط العسكري المباشر. 

 

ورغم التصعيد الإعلامي والعسكري، فإن احتمالات العودة إلى حرب شاملة لا تزال محل شك؛ فالرياض تدرك أن الانخراط في مواجهة واسعة قد يبدد المكاسب التي حققتها خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى تهدئة الجبهة اليمنية أو على مستوى أولوياتها الاقتصادية والإقليمية.


وفي المقابل، لا تبدو جماعة الحوثيين معنية بإشعال حرب استنزاف طويلة، لأنها تدرك أن استمرار التصعيد قد يعيد تشكيل تحالفات إقليمية ودولية ضدها، ويؤثر في المكاسب السياسية التي راكمتها خلال السنوات الماضية. 

 

لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في اندلاع حرب واسعة، وإنما في مرحلة من التصعيد المحسوب، تقوم على تبادل الرسائل العسكرية المحدودة، مع إبقاء قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة، في انتظار تبلور مواقف الأطراف الإقليمية والدولية.


أما على المستوى الإقليمي، فلا يمكن فصل التصعيد الحالي عن البيئة الإقليمية الأوسع. فالجماعة باتت تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءًا من شبكة إقليمية تتقاطع مواقفها مع إيران وحلفائها في عدد من ساحات الصراع بما يمنح تحركاتها أبعادًا تتجاوز الإطار اليمني. 

في المقابل، تنظر السعودية إلى أمنها الداخلي وأمن البحر الأحمر باعتبارهما جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي، وليس مجرد ملف ثنائي مع الحوثيين. ولذلك فإن أي تصعيد جديد ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود اليمنية سواء على حركة الملاحة البحرية أو على أسواق الطاقة أو على الحسابات الأمنية لدول الخليج.


بشكل عام، تشير المؤشرات الحالية إلى أن الأزمة دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي أعقبت الهدنة فالحوثيون يحاولون إعادة تعريف قواعد الاشتباك من خلال التلويح باستهداف العمق السعودي، بينما تسعى الرياض إلى منع تحول هذه التهديدات إلى واقع دون الانزلاق إلى حرب واسعة. 

وبين هذين المسارين، تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة قوامها الردع المتبادل أكثر من المواجهة المباشرة.  

غير أن استدامة هذه المعادلة ستظل رهينة بقدرة الطرفين على ضبط التصعيد، وبنجاح الجهود الدبلوماسية في إعادة إحياء مسار التهدئة. أما إذا فشلت هذه الجهود، فإن استهداف المنشآت الحيوية قد يتحول من أداة للضغط السياسي إلى نمط متكرر من الصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن الخليج واستقرار البحر الأحمر والاقتصاد الإقليمي بأسره.

الجريدة الرسمية