كيف تحولت الجبهة اللبنانية إلى مختبر لحروب المستقبل؟
تشكل المواجهة الجارية بين إسرائيل وحزب الله منذ أواخر عام 2023، في إطار ما يعرف بـ حرب الإسناد دعما لغزة (كما يعلن الحزب) والتي تطورت خلال الشهور الأخيرة إلى جولة أكثر اتساعًا خلال عام 2026، نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الصراع بين الطرفين.
فهذه الحرب لم تكن مجرد جولة إضافية من المواجهات الحدودية لإسرائيل على الجبهة اللبنانية، بل مثلت اختبارًا حقيقيًا للفرضيات العسكرية والأمنية التي حكمت العلاقة بين الجانبين منذ انتهاء حرب يوليو 2006. لاسيما وأن هذه الحرب قد كشفت نهاية مرحلة كاملة من توازن الردع الذي ساد لما يقارب عقدين، وأعلنت بداية مرحلة جديدة تتغير فيها طبيعة القوة العسكرية وأدواتها ومفاهيم استخدامها، في ظل صعود التكنولوجيا منخفضة الكلفة وتراجع فعالية بعض أنظمة الردع التقليدية.
فمنذ عام 2006، استند الاستقرار النسبي على الحدود اللبنانية– الإسرائيلية إلى معادلة غير معلنة تقوم على الردع المتبادل. فقد نجح حزب الله في بناء صورة قوة قادرة على إيقاع خسائر جسيمة بإسرائيل عبر ترسانة صاروخية ضخمة، بينما احتفظت إسرائيل بتفوقها الجوي والتكنولوجي وقدرتها على إلحاق دمار واسع بلبنان.
لكن حرب الإسناد التي بدأت في أكتوبر 2023 كشفت أن هذه المعادلة كانت أكثر هشاشة مما كان يُعتقد؛ فإسرائيل لم تتعامل مع العمليات التي نفذها الحزب باعتبارها تهديدًا وجوديًا يستوجب حربًا شاملة وفورية، بل تعاملت معها ضمن استراتيجية استنزاف طويلة هدفت إلى تفكيك البنية القيادية والعسكرية للحزب تدريجيًا.
ومع توالي عمليات الاغتيال الدقيقة التي استهدفت قيادات الصف الأول والثاني، ثم الضربات التقنية المعقدة التي أصابت شبكات الاتصال والقيادة والسيطرة، وصولًا إلى اغتيال حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين، بدا واضحًا أن إسرائيل نجحت في اختراق أحد أهم أعمدة نظرية الردع التي بناها الحزب منذ عام 2006.
وبذلك لم يعد السؤال يتعلق بقدرة الحزب على إطلاق الصواريخ، بل بقدرته على حماية بنيته التنظيمية والعسكرية من التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي الإسرائيلي.
وتكشف الحرب الحالية أن التفوق العسكري لم يعد يقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم القوات، بل بمدى القدرة على دمج التكنولوجيا ضمن العقيدة القتالية. فعلى مدار السنوات الماضية، استثمرت إسرائيل بصورة مكثفة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاستخبارات متعددة المصادر والطائرات غير المأهولة والذخائر الدقيقة. وقد سمحت هذه القدرات بتقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف واستهدافه إلى ثوان معدودة.
هذا التطور أدى عمليًا إلى تآكل إحدى أهم ميزات حرب العصابات التي اعتمد عليها حزب الله لعقود، وهي القدرة على إطلاق النار والانسحاب قبل الرد المعادي. لكن المفارقة أن حزب الله لم يقف مكتوف اليدين أمام هذا التحول، بل اتجه بدوره إلى تبني نموذج قتالي جديد يعتمد على التكنولوجيا منخفضة الكلفة، وعلى رأسها المسيّرات الانتحارية والمحلقات FPV الموجهة بالألياف الضوئية.
وهكذا تحولت الحرب من مواجهة بين الصاروخ والطائرة إلى مواجهة بين شبكات الاستشعار والاستهداف والأنظمة غير المأهولة.
واستلهاما من التجربة الأوكرانية، شهدت حرب 2026 انتقالا ملحوظا في مركز الثقل من الصواريخ التقليدية إلى المسيّرات، فخلال العقدين الماضيين، كانت الترسانة الصاروخية تمثل العمود الفقري لقدرات حزب الله العسكرية. إلا أن الحرب الحالية أظهرت تحولًا واضحًا نحو استخدام واسع النطاق للمسيّرات الانتحارية والهجومية.
ويعكس هذا التحول تأثيرًا مباشرًا للدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية، التي أثبتت أن المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة يمكن أن تشكل تهديدًا فعالًا حتى للجيوش التي تمتلك تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا كبيرًا.
فالمسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية تجاوزت مشكلة التشويش الإلكتروني، كما أن بصمتها الرادارية المحدودة ومسارها المنخفض والمتعرج جعلها أكثر صعوبة في الرصد والاعتراض.
وبذلك أصبح بإمكان حزب الله إلحاق خسائر تكتيكية بالقوات الإسرائيلية بتكلفة أقل بكثير من تكلفة استخدام الصواريخ الاستراتيجية. وتشير هذه الظاهرة إلى تحول أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تتراجع الفجوة بين الجيوش النظامية والفاعلين غير الدولتيين بفضل انتشار التكنولوجيا الرخيصة نسبيًا.
في المقابل، لم تقتصر التغيرات على جانب الحزب فقط؛ فالجيش الإسرائيلي بدوره أعاد النظر في أساليب عمله الميدانية بعد الخبرات المتراكمة في غزة ولبنان. فبدلًا من الاعتماد المكثف على التشكيلات المدرعة الثقيلة، اتجه إلى استخدام وحدات صغيرة عالية الحركة مدعومة بغطاء استخباراتي وجوي كثيف.
كما توسع استخدام المسيّرات الهجومية والانقضاضية والذخائر الدقيقة والمدفعية الذكية بعيدة المدى. ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن البيئة القتالية الجديدة أصبحت أكثر خطورة على القوات التقليدية الثقيلة، خاصة في ظل انتشار المسيّرات المضادة للدروع والعبوات الذكية. وبالتالي فإن الجيش الإسرائيلي بات يفضل المناورة المرنة والضربات الدقيقة بدلًا من التقدم البري الواسع النطاق الذي قد يرفع حجم الخسائر البشرية.
في هذا السياق، تعرضت فعالية أنظمة الدفاع الجوي التقليدية انكشافا ملحوظا أمام التهديدات الجديدة، فرغم امتلاك إسرائيل منظومات متقدمة مثل القبة الحديدية ومقلاع داود وآرو، فإن عددًا من التقارير الإسرائيلية أقر بصعوبة التعامل مع أسراب المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة، خصوصًا تلك الموجهة بالألياف الضوئية.
وهذه المشكلة لا تخص إسرائيل وحدها، بل تمثل تحديًا عالميًا تواجهه معظم الجيوش الحديثة. فالتكلفة العالية لاعتراض المسيّرات الرخيصة تخلق معضلة اقتصادية وعسكرية في آن واحد، وتجبر الجيوش على البحث عن حلول جديدة تشمل أنظمة الليزر والأسلحة الكهرومغناطيسية وتقنيات الحرب الإلكترونية المتقدمة.
ما سبق انعكس بدوره على قواعد الاشتباك، فوراء المعارك العسكرية، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة تحديد قواعد الاشتباك الجديدة. فحزب الله يسعى إلى تثبيت معادلة تقوم على الرد على أي استهداف إسرائيلي للحفاظ على شرعية سلاحه ودوره العسكري. أما إسرائيل فتسعى إلى فرض واقع ميداني مختلف يمنحها حرية أكبر في العمل العسكري والاستخباراتي داخل الساحة اللبنانية.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن ميزان المبادرة لا يزال يميل لمصلحة إسرائيل، التي تمكنت من توسيع نطاق عملياتها جغرافيًا وعملياتيًا دون أن تواجه ردًا قادرًا على فرض قيود استراتيجية واضحة على حركتها. ومن ثم فإن جوهر الصراع الحالي لا يتعلق فقط بحجم الخسائر أو المكاسب الميدانية، بل بمن يمتلك القدرة على تحديد قواعد اللعبة العسكرية في المرحلة المقبلة.
بشكل عام، تكشف حرب 2026 أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من الصراعات المسلحة تختلف جذريًا عن الحروب التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية فيما يبشر بنموذج جديد للمواجهة بين إسرائيل وحزب الله؛ تلك المواجهة التي لم تعد صراعًا بين جيش نظامي وتنظيم مسلح يعتمد على حرب العصابات التقليدية، بل أصبحت نموذجًا لحروب هجينة تتداخل فيها الاستخبارات والذكاء الاصطناعي والمسيّرات والذخائر الدقيقة مع القدرات العسكرية التقليدية.
وفي هذا السياق، تبدو النتيجة الاستراتيجية الأهم للحرب أنها أعادت تعريف مفهوم الردع نفسه. فبعد أن كان الردع يقوم على امتلاك مخزون كبير من الصواريخ والقوة النارية، أصبح يعتمد بصورة متزايدة على التفوق المعلوماتي والقدرة على الرصد والاستهداف الفوري وإدارة المعركة رقميًا.
وعليه، فإن الصراع على الجبهة الإسرائيلية اللبنانية لم يعد مجرد ساحة مواجهة محلية، بل تحول إلى مختبر إقليمي لاختبار أنماط الحرب المستقبلية، حيث تتحدد موازين القوة ليس فقط بما تمتلكه الأطراف من أسلحة، بل بقدرتها على توظيف التكنولوجيا والابتكار في ساحة المعركة.
