رئيس التحرير
عصام كامل

بعد خامنئي

كيف كشف الاتفاق الأمريكي تصدعات النظام الإيراني؟

18 حجم الخط

لم يعد الجدل الدائر داخل إيران بشأن مذكرة التفاهم الأولية مع الولايات المتحدة مجرد خلاف حول مسار التفاوض أو مستقبل البرنامج النووي، بل تحول إلى مؤشر كاشف لتحولات أعمق تضرب بنية النظام السياسي الإيراني في مرحلة تعد الأكثر حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. 

فالمشهد الراهن لا يعكس انقساما تقليديا بين الإصلاحيين والمحافظين، بقدر ما يكشف عن تباينات متزايدة داخل المعسكر المحافظ نفسه، وداخل المؤسسات الدينية والأمنية التي مثلت لعقود العمود الفقري لاستقرار النظام.


وتزداد أهمية هذه التطورات لأنها تأتي في ظرف استثنائي يختلف عن جميع المحطات السابقة؛ إذ تواجه الجمهورية الإسلامية مرحلة انتقال للسلطة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي خلال الحرب الأخيرة، بينما لا تزال القيادة الجديدة تعمل على تثبيت شرعيتها السياسية والدينية، في وقت تعاني فيه البلاد ضغوطًا اقتصادية غير مسبوقة، وتحديات أمنية متراكمة، وبيئة إقليمية شديدة التقلب. 

وبذلك، لم يعد الاتفاق مع واشنطن هو القضية الأساسية، وإنما أصبح مرآة تعكس أزمة أعمق تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الأيديولوجيا ومتطلبات بقاء الدولة، وبين الاعتبارات العقائدية والضرورات البراغماتية.


لقد اعتاد النظام الإيراني طوال العقود الماضية إدارة خلافاته بعيدًا عن المجال العام، بحيث تبدو مؤسساته موحدة خلف قرارات المرشد الأعلى. وقد نجح علي خامنئي، على مدار أكثر من ثلاثة عقود، في الحفاظ على هذا التوازن من خلال إدارة دقيقة للعلاقات بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري والرئاسة والتيارات السياسية المختلفة. 

غير أن انتقال القيادة إلى مجتبى خامنئي جاء في ظروف مختلفة تمامًا؛ فالحرب الأخيرة أضعفت الاقتصاد، واستنزفت قدرات الدولة، وفرضت على القيادة الجديدة اتخاذ قرارات مصيرية قبل أن تكتسب الرصيد السياسي والديني الذي تمتع به سلفه.


وفي هذا السياق، حمل تصريح المرشد الجديد بأنه كان يعارض الاتفاق "من حيث المبدأ"، لكنه وافق عليه بعد أن تحمل الرئيس مسعود بزشكيان مسؤوليته، رسائل متناقضة. فمن ناحية، منح الحكومة غطاء سياسيا لمواصلة التفاوض، ومن ناحية أخرى ترك مساحة مفتوحة أمام التيار المحافظ للتشكيك في جدوى المسار التفاوضي إذا ما تعثر لاحقًا. 

وقد شجع هذا الغموض شخصيات دينية وإعلامية محسوبة على التيار المتشدد على رفع سقف خطابها بصورة غير مسبوقة، حتى وصل الأمر إلى توجيه تهديدات مباشرة للرئيس، وهو تطور يكشف تراجع قدرة القيادة المركزية على ضبط الخطاب الصادر عن القوى التي كانت تمثل أدوات التعبئة التقليدية للنظام.


هذا الانقسام لا يمكن فهمه بمعزل عن أزمة الشرعية التي يعيشها النظام الإيراني منذ سنوات، والتي تفاقمت بعد الحرب الأخيرة، فرغم أن المواجهة العسكرية أسهمت مؤقتا في تعزيز الشعور القومي والالتفاف حول الدولة، فإنها لم تعالج الأسباب البنيوية للاحتقان الداخلي، وفي مقدمتها الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.


ومن ثم، جاء الحديث عن اتفاق مع الولايات المتحدة في لحظة باتت فيها قطاعات داخل النخبة تعتبر تخفيف العقوبات ضرورة لإنقاذ الاقتصاد، بينما تنظر إليه قوى أخرى باعتباره تهديدًا للهوية الثورية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية. وهكذا، تحول الاتفاق من ملف دبلوماسي إلى اختبار لمدى قدرة القيادة الجديدة على إعادة بناء التوافق داخل القاعدة الاجتماعية والسياسية التي استند إليها النظام لعقود.


وبذلك تحولت المؤسسة الدينية من أداة للتعبئة إلى ساحة للصراع، فمنذ انتصار الثورة الإسلامية، لم تكن المنابر الدينية ومجالس العزاء مجرد فضاءات دينية، بل أدت وظيفة سياسية أساسية في تشكيل الرأي العام وحشد التأييد الشعبي للنظام. 

وكان المداحون ورجال الدين يمثلون أحد أهم أذرع التعبئة السياسية، خاصة في أوقات الأزمات والحروب. لكن التطورات الأخيرة كشفت تحولًا نوعيًا في هذا الدور، فالمنابر التي كانت توحد الخطاب الرسمي أصبحت تعكس اختلافات داخل مراكز القوة نفسها. 

ففي الوقت الذي شن فيه بعض الخطباء هجوما حادا على الحكومة وفريق التفاوض، بل وصل الأمر إلى التهديد المباشر للرئيس، دافع آخرون عن المؤسسة العسكرية وعن ضرورة دعم المفاوضات، محذرين من أن مهاجمة الدولة في هذه المرحلة تخدم خصوم الجمهورية الإسلامية، وهو ما يوضح المؤسسة الدينية لم تعد تتحرك باعتبارها كتلة واحدة، وإنما أصبحت تعكس التباينات السياسية داخل النخبة الحاكمة، وهو تطور لم يكن مألوفا في العقود السابقة.


ما سبق يكشف تحولًا في طبيعة الاستقطاب السياسي داخل إيران، فبعد سنوات من الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين، أصبح الانقسام الأكثر تأثيرًا يدور داخل التيار المحافظ نفسه. فثمة تيار براغماتي يرى أن الظروف الاقتصادية والعسكرية تفرض تخفيف الضغوط الخارجية عبر تسويات محدودة تسمح بإعادة تنشيط الاقتصاد واستعادة الاستقرار الداخلي.


وفي المقابل، يتمسك التيار العقائدي المتشدد برفض أي تفاوض مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من قناعة بأن أي تنازل سيقوض شرعية النظام الثورية، ويبعث برسالة ضعف إلى الداخل والخارج. وبذلك، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان النظام سيستمر، وإنما بأي نموذج سيستمر: هل كدولة ثورية تقوم على المواجهة المستمرة، أم كدولة أكثر براجماتية تعيد ترتيب أولوياتها وفق اعتبارات الأمن والاقتصاد؟


ورغم الضجيج الإعلامي الذي أثارته المنابر الدينية، فإن اللافت كان غياب معارضة مباشرة من جانب الحرس الثوري لمسار التفاوض. وهو ما يعكس التحول الذي طرأ على طبيعة المؤسسة العسكرية الإيرانية، التي لم تعد مجرد قوة عقائدية، بل أصبحت لاعبًا اقتصاديًا يمتلك استثمارات واسعة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والصناعات الدفاعية. 

ومن هذا المنطلق، فإن تخفيف العقوبات قد يفتح أمام هذه المؤسسة فرصًا اقتصادية جديدة، وهو ما يفسر ميلها النسبي إلى البراجماتية مقارنة بالتيارات العقائدية الأكثر تشددًا.


كما أن المراقب لهذه الأزمة يلاحظ أنها المرة الأولى التي تنقسم فيها النخبة الإيرانية حول تسوية مع الخارج؛ ففي عام 1988، عندما قبل مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني وقف إطلاق النار مع العراق، وصف القرار بأنه "تجرع كأس السم"، في إشارة إلى أنه جاء استجابة لضرورات الدولة لا لقناعات أيديولوجية. 

وتكرر المشهد بصورة مختلفة مع الاتفاق النووي عام 2015، حين انقسمت مؤسسات الدولة بين من اعتبره فرصة لإنقاذ الاقتصاد، ومن رآه تنازلًا استراتيجيًا، قبل أن يؤدي انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018 إلى ترسيخ قناعة واسعة داخل التيار المحافظ بأن واشنطن لا يمكن الوثوق بها.


لكن الأزمة الحالية تختلف عن كلتا الحالتين، لأنها تأتي في ظل انتقال القيادة نفسها، وهو ما يجعل الخلاف لا يدور حول الاتفاق فقط، وإنما حول شكل النظام في مرحلة ما بعد خامنئي. وهو ما يؤكد على التحول من الشرعية الدينية إلى الدولة الأمنية، فلطالما استندت الجمهورية الإسلامية إلى شرعية دينية تولت المؤسسة الأمنية حمايتها. 

أما اليوم  فتشير التطورات إلى انتقال تدريجي لمركز الثقل نحو المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، في مقابل تراجع القدرة التعبوية للمؤسسة الدينية. وفي حين كانت المنابر الدينية، أحد أهم أدوات توحيد الخطاب الرسمي، أصبحت تكشف الانقسامات الداخلية أكثر مما تخفيها، بينما توسعت مساحات النقاش السياسي عبر الإعلام الرقمي والمنصات الخارجية، الأمر الذي حدّ من قدرة المؤسسة الدينية على احتكار تشكيل الرأي العام.


الغاية إن الأزمة المرتبطة بالاتفاق مع الولايات المتحدة تكشف أن إيران دخلت مرحلة جديدة من تطورها السياسي، لم تعد فيها التحديات الخارجية وحدها هي العامل الحاسم في استقرار النظام، بل أصبحت طبيعة التوازنات الداخلية أكثر تأثيرًا في رسم مستقبله. 

فالخلاف الحالي لا يدور حول مذكرة تفاهم أو جولة مفاوضات، وإنما حول هوية الدولة الإيرانية بعد الحرب، وحدود العلاقة بين الأيديولوجيا ومتطلبات البقاء، ومستقبل توزيع السلطة بين المؤسسة الدينية والرئاسة والحرس الثوري. 

ومن ثم، فإن نجاح القيادة الجديدة لن يقاس فقط بقدرتها على التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، وإنما بقدرتها على إعادة إنتاج إجماع داخلي يوازن بين مقتضيات البراجماتية الاقتصادية ومتطلبات الشرعية الثورية. وإذا أخفقت في ذلك، فإن الانقسام الذي ظهر اليوم داخل الحاضنة التقليدية للنظام قد يتحول إلى أحد أبرز التحديات البنيوية التي ستحدد شكل الجمهورية الإسلامية في السنوات المقبلة.

الجريدة الرسمية