الشرق الأوسط في عصر الاضطراب المنظم
لم يعد الشرق الأوسط اليوم ذلك الإقليم الذي عرفه العالم خلال العقود الماضية، كما لم يعد خاضعًا للقواعد ذاتها التي حكمت تفاعلاته منذ نهاية الحرب الباردة، فالمنطقة التي كانت تُدار لعقود ضمن معادلات واضحة نسبيًا، تقوم على مركزية القضية الفلسطينية، وهيمنة الدولة الوطنية، والدور الأمريكي المهيمن، أصبحت تشهد تحولات متسارعة تعيد صياغة توازناتها السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة.
وما يبدو على السطح سلسلة من الحروب والأزمات المتفرقة ليس في حقيقته سوى مظاهر لعملية أعمق تتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة انتقالية طويلة تتراجع فيها البنى القديمة دون أن تتبلور بعدُ بدائل مستقرة وقادرة على إنتاج نظام إقليمي جديد. وهذه الحالة الانتقالية تفسر جانبًا كبيرًا من المشهد الحالي؛ إذ لا تعيش المنطقة انهيارًا شاملًا كما لا تتجه نحو استقرار مستدام، وإنما تتحرك داخل مساحة رمادية تتعايش فيها مظاهر الصراع والتعاون، والمواجهة والتسوية، والتنافس والشراكة.
إنها مرحلة يمكن وصفها بـ"الاضطراب المنظم"، حيث تسعى القوى المختلفة إلى إدارة الأزمات وليس حلها، وإلى احتواء الصراعات وليس إنهاء أسبابها.
وتعود جذور هذا الواقع إلى تراكمات تاريخية طويلة بدأت مع انهيار الدولة العثمانية وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة عقب الحرب العالمية الأولى، فقد أفرزت ترتيبات ما بعد الحرب كيانات سياسية لم تنشأ دائمًا استجابة لمسارات تطور اجتماعي أو تاريخي طبيعي، بل جاءت في كثير من الأحيان انعكاسًا لموازين القوى الدولية آنذاك.
ورغم نجاح بعض الدول في بناء مؤسسات وطنية مستقرة نسبيًا، فإن العديد من دول المنطقة ظلت تعاني هشاشة بنيوية كامنة تحت مظاهر الاستقرار الظاهري. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الهشاشة إلى أحد أبرز العوامل المفسرة للأزمات التي انفجرت لاحقًا في أكثر من ساحة عربية.
وخلال النصف الثاني من القرن العشرين شكلت القومية العربية الإطار الفكري والسياسي الأبرز لمحاولة تجاوز الانقسامات التي فرضتها الحدود الجديدة. غير أن إخفاق هذا المشروع في بناء نظام عربي موحد، ثم تراجعه بعد هزيمة عام 1967، فتح الباب أمام صعود مشاريع سياسية بديلة، كان أبرزها الإسلام السياسي بمختلف اتجاهاته.
ومنذ ذلك الوقت بدأت المنطقة تشهد انتقالًا تدريجيًا من صراعات ترتبط بالهوية القومية إلى صراعات أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الاعتبارات المذهبية والجيوسياسية والأمنية.
غير أن المتغير الأكثر تأثيرًا خلال العقود الأخيرة كان يتمثل في تراجع قدرة الدولة الوطنية على احتكار السلطة والنفوذ داخل عدد من بلدان المنطقة. ففي العراق وسورية ولبنان واليمن لم تعد الدولة اللاعب الوحيد في المجال السياسي والأمني، بل برزت إلى جانبها قوى مسلحة وشبكات نفوذ محلية وإقليمية أصبحت جزءًا من معادلات القوة القائمة.
ونتيجة لذلك، لم يعد الحديث عن السيادة بالمفهوم التقليدي كافيًا لفهم طبيعة الصراعات الجارية، إذ باتت السلطة موزعة بين فاعلين متعددين يتجاوز تأثير بعضهم حدود الدولة نفسها.
وفي قلب هذه التحولات ظلت القضية الفلسطينية تمثل العنصر الأكثر ثباتًا في المشهد الإقليمي. فعلى الرغم من تغير أولويات العديد من الحكومات العربية وانشغالها بأجندات التنمية والتحديث والأمن الداخلي، بقيت فلسطين تشكل أحد المصادر الرئيسية للشرعية السياسية والرمزية في الوعي العربي والإسلامي.
وقد كشفت سلسلة المواجهات العسكرية التي بدأت عشية السابع من أكتوبر وصولا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، عن حدود الرهانات التي افترضت إمكانية تجاوز هذه القضية أو تحييدها ضمن ترتيبات إقليمية جديدة. فالأحداث أثبتت أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال قادرًا على إعادة ترتيب الأولويات السياسية وإعادة إنتاج الاستقطابات الإقليمية مهما بدا أنه تراجع في سلم الاهتمامات الرسمية.
وفي الوقت ذاته، برز التنافس الإيراني الإسرائيلي باعتباره المحور الأكثر تأثيرًا في هندسة البيئة الأمنية الجديدة للمنطقة، فالصراع بين الطرفين لم يعد مجرد خلاف سياسي أو أيديولوجي، بل تحول إلى منافسة استراتيجية شاملة تشمل النفوذ الإقليمي والقدرات العسكرية والردع النووي والحروب السيبرانية وشبكات الحلفاء والوكلاء المنتشرين عبر عدة ساحات عربية.
وبهذا المعنى، أصبح الشرق الأوسط يعيش ما يشبه الحرب الباردة الإقليمية، حيث تتجنب الأطراف المواجهة المباشرة الشاملة، لكنها تنخرط في صراعات ممتدة عبر مسارح متعددة.
ومع ذلك، فإن المشهد الإقليمي لا تحكمه الاعتبارات الأمنية وحدها، لاسيما وأن أهم التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة تتمثل في صعود الجغرافيا الاقتصادية بوصفها محددًا رئيسيًا للقوة والنفوذ.
لقد أدركت دول الخليج العربي، بصورة خاصة، أن مستقبلها الاستراتيجي لا يمكن أن يبقى رهينة أسواق النفط وحدها، فاندفعت نحو مشاريع تنويع اقتصادي واسعة النطاق تستهدف بناء اقتصادات قائمة على التكنولوجيا والمعرفة والاستثمار.
ولم يكن الهدف من هذه التحولات اقتصاديًا فحسب، بل سياسيًا واستراتيجيًا أيضًا، إذ باتت القدرة على جذب رؤوس الأموال وإدارة الممرات التجارية وتطوير البنية التحتية تمثل أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القوة العسكرية التقليدية.
وفي موازاة ذلك، يشهد النظام الدولي نفسه تحولات عميقة انعكست مباشرة على الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة التي احتكرت إدارة التوازنات الإقليمية لعقود لم تعد تمتلك المستوى ذاته من الهيمنة الذي تمتعت به بعد نهاية الحرب الباردة. وفي المقابل، برزت الصين وروسيا كلاعبين أكثر حضورًا في المنطقة، وإن كانت بوسائل مختلفة، فبينما اعتمدت موسكو على الحضور العسكري والأمني لتعزيز نفوذها، فضلت بكين توظيف قوتها الاقتصادية والدبلوماسية لبناء شبكة مصالح واسعة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
هذا التحول لا يعني انتقال المنطقة من الهيمنة الأمريكية إلى الهيمنة الصينية أو الروسية، بل يشير إلى نشوء بيئة أكثر تعددية وتعقيدًا، فالقوى الإقليمية أصبحت تمتلك هامشًا أكبر للمناورة، لكنها في الوقت ذاته تواجه بيئة استراتيجية أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ. ولم يعد ممكنًا لأي طرف، داخلي أو خارجي، أن يفرض بمفرده قواعد النظام الإقليمي أو يحدد اتجاهاته بصورة حاسمة.
ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية التي تحكم مستقبل الشرق الأوسط، فالمنطقة تمتلك من الموارد والإمكانات الاقتصادية والبشرية ما يؤهلها لتكون أحد أهم أقاليم العالم في القرن الحادي والعشرين، لكنها في الوقت ذاته تواجه شبكة معقدة من الصراعات التاريخية والانقسامات السياسية والتحديات الأمنية.
وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل النظام الإقليمي الجديد، لذلك يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال السنوات المقبلة ليس السلام الشامل ولا الحرب الشاملة، وإنما استمرار حالة اللااستقرار المُدار. فالقوى الإقليمية والدولية تدرك كلفة الانفجار الكبير، لكنها لا تمتلك في الوقت ذاته الإرادة أو القدرة الكافية لمعالجة جذور الأزمات القائمة.
ونتيجة لذلك، ستستمر المنطقة على الأرجح في إنتاج أزماتها الخاصة ضمن حدود تمنع انهيار النظام الإقليمي بالكامل، لكنها لا تسمح أيضًا ببلوغ حالة استقرار حقيقي.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، فالنظام الذي عرفته المنطقة طوال العقود الماضية يقترب من نهايته، بينما لا يزال النظام الجديد قيد التشكل. وبين هذين الواقعين تتحدد ملامح مرحلة انتقالية طويلة ستعيد تعريف مفاهيم القوة والسيادة والأمن والشرعية في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، لن يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الصراعات ستنتهي، بل ما إذا كانت دول المنطقة ستنجح في تحويل التنافس من مصدر دائم للفوضى إلى إطار منظم للتعايش والتوازن، يسمح ببناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
