دعوة تأخرت كثيرًا يا دكتور مصطفى الفقي!
توريث وتأبيد المناصب ظاهرة عرفتها مصر في عقود سابقة وقد عشنا تلك المأساة بتفاصيلها ونتائجها، وهو ما يجعلنا نقول باطمئنان إن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، ولا ينهض بها الاقتصاد وحده، ولا يصنع مستقبلها أشخاص بعينهم مهما علا شأنهم، وإنما تصنعها منظومة تتجدد باستمرار، تؤمن بأن الأشخاص زائلون، أما المؤسسات الراشدة فهي الباقية، وبقاؤها هو الضمان الحقيقي لبقاء الدولة قوية، عادلة، وقادرة على صناعة المستقبل.
وليست قوة الدول فيما تملكه من سلاح، ولا فيما تشيده من طرق وجسور، ولا حتى فيما تحققه من أرقام اقتصادية، وإنما في قدرتها على بناء منظومة مؤسسية لا تتوقف عند فرد، ولا ترتبك برحيل مسؤول، ولا تربط مصيرها بشخص مهما بلغت كفاءته. فالدولة التي تُبنى على الأفراد تعيش بقدر أعمارهم، أما الدولة التي تُبنى على المؤسسات فتبقى ما بقيت الحضارة.
من هنا تلتقي رؤية الدكتور مصطفى الفقي مع ما كتبه الدكتور حسام بدراوي، رغم اختلاف زاوية النظر. فالأول يلفت الانتباه إلى خطر بقاء المسؤول في موقعه عشرين أو ثلاثين عامًا، بما يحرم ثلاثة أجيال من حقها في القيادة وتجديد الفكر..
بينما يؤكد الثاني أن القوة الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الجنود والدبابات والطائرات وحدها، بل بمنظومة متكاملة تضم جيشًا قويًا، واقتصادًا منتجًا، وتعليمًا يصنع العقول، وجامعات تبتكر المعرفة، وإدارة عامة تحترم الوقت، ومؤسسات تعمل بكفاءة، ومجتمعًا يثق في دولته ويشارك في صناعة مستقبلها.
والحقيقة أن الفكرتين ليستا منفصلتين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة؛ فلا يمكن أن تقوم منظومة قوية إذا تعطلت حركة التجديد، ولا يمكن أن تزدهر المؤسسات إذا أصبحت المناصب غاية في ذاتها لا وسيلة لخدمة الوطن.
وليس المقصود من الدعوة إلى تجديد الدماء أن تتحول الدولة إلى ساحة تغيير دائم، أو أن تُهدر خبرات السنين. فالدول العاقلة لا تستغني عن أصحاب التجربة، لكنها تعيد توظيفهم في مواقع التخطيط والاستشارة ونقل الخبرات، بينما تفتح في الوقت نفسه الطريق أمام قيادات جديدة تضيف ولا تهدم، وتبني على ما سبقها ولا تبدأ من الصفر.
القرآن الكريم قرر قاعدة الإصلاح الكبرى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. والتغيير هنا لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل الأفكار، وأساليب الإدارة، ومنظومات الاختيار، وثقافة الحكم. فلا يمكن أن ننتظر نتائج جديدة ونحن نكرر الأدوات نفسها والعقليات نفسها والسياسات نفسها.
يقول سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. وكأن الآية تجعل الإنجاز هو معيار التقييم الحقيقي، فلا حصانة لمسؤول إلا بما يقدمه من عمل، ولا بقاء في موقع إلا بقدر ما يضيفه من قيمة.
وفي السنة النبوية يرسم الرسول صلى الله عليه وسلم فلسفة المسؤولية في قوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمنصب ليس تشريفًا، وإنما تكليف ومساءلة، وليس امتيازًا دائمًا، وإنما أمانة تنتهي متى أصبحت المصلحة العامة تقتضي أن يحملها غير صاحبها. ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، فالإتقان لا طول البقاء هو معيار النجاح.
وقد فهم سلف الأمة هذه الحقيقة مبكرًا. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه أعلن منذ اللحظة الأولى لتوليه الخلافة: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه." إنها ليست عبارة سياسية، وإنما إعلان لدولة القانون التي لا تميز بين الناس إلا بالحق.
وقال الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وهي قاعدة لو أصبحت ثقافة إدارية لاختفت آفة احتكار القرار، ولأصبحت المؤسسات أكثر قدرة على التعلم والتصحيح.
أما ابن خلدون، فقد لخّص سر سقوط الدول بقوله: "الظلم مؤذن بخراب العمران." وليس من الظلم فقط الاعتداء على الحقوق، بل أيضًا حرمان أصحاب الكفاءة من فرصهم، وقتل روح المنافسة، وإغلاق أبواب القيادة أمام الأجيال الجديدة.
إن أخطر ما يصيب المؤسسات ليس نقص الموارد، وإنما جمود النخبة الإدارية. فالماء الراكد يفسد مهما كان عذبًا، أما الماء الجاري فيتجدد بنفسه. وكذلك المؤسسات؛ إذا أُغلقت أبوابها أمام الكفاءات، وتحولت القيادة إلى احتكار غير معلن، فقدت قدرتها على الابتكار، وأصبح الزمن يتحرك خارجها بينما تظن أنها ما زالت في المقدمة.
ولذلك لم تحقق اليابان نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية بالموارد الطبيعية، بل بالإنسان المنضبط، والتعليم المتطور، والإدارة التي تجعل الكفاءة فوق كل اعتبار. ولم تصبح سنغافورة نموذجًا عالميًا لأنها أكبر مساحة أو أكثر سكانًا، وإنما لأنها جعلت الجدارة أساس التعيين والترقي، وربطت استمرار المسؤول بنتائج أدائه لا بعدد سنوات بقائه.
أما كوريا الجنوبية، فقد آمنت بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، وإنما في العقل، فحولت التعليم والبحث العلمي إلى قاطرة للتنمية، حتى أصبحت من القوى الصناعية والتكنولوجية الكبرى.
إن الرسالة التي تقدمها هذه التجارب واضحة؛ فالدولة القوية ليست التي تبحث عن مسؤول لا يُستغنى عنه، وإنما التي تُنشئ نظامًا يستطيع أن يفرز قائدًا جديدًا كلما احتاجت إليه، دون أن تهتز مؤسساتها أو تتعطل مصالحها.
ولهذا فإن بناء منظومة راشدة يبدأ بإعادة تعريف مفهوم القيادة نفسه. فالقائد ليس من يحتفظ بالمقعد أطول فترة، وإنما من يصنع من يخلفه. والمؤسسة الناجحة ليست التي تفتخر بوجود مسؤول استثنائي، وإنما التي تستطيع أن تستمر بالكفاءة نفسها بعد رحيله.
إن خارطة الطريق أمام صانع القرار لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى قواعد ثابتة: أن تكون الكفاءة وحدها معيار الاختيار، وأن يرتبط استمرار القيادات بتقييم موضوعي للأداء، وأن تُعد الصفوف الثانية والثالثة إعدادًا حقيقيًا، وأن تتحول الجامعات ومراكز الفكر إلى شريك في صناعة السياسات، وأن تُكافأ المبادرة، ويُحمى الاجتهاد، ويُفسح المجال للنقد المسؤول باعتباره أداة للإصلاح لا خصومة مع الدولة، وأن تصبح الشفافية والمساءلة ثقافة يومية لا استثناءً مؤقتًا.
إن قوة الدولة ليست في أن يبقى المسؤول سنوات طويلة، بل في أن تبقى المؤسسة قوية مهما تعاقب عليها المسؤولون. وليست العبرة أن نصنع مسؤولًا كبيرًا، وإنما أن نصنع نظامًا عادلًا يفرز الكبار باستمرار.
ويبقى قول الله تعالى هو البوصلة التي لا تخطئ: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. فالدولة التي تستمع لكل رأي، وتختار أفضل الأفكار، وتفتح أبوابها للكفاءات، وتجعل المصلحة العامة فوق الأشخاص، هي وحدها القادرة على أن تواجه تحديات القرن الحادي والعشرين.
ويبقي سؤال مهم للدكتور مصطفى الفقي: كلامك صحيح وعظيم.. ولكن لماذا كنت تسعي للمناصب والاستمرار فيها لفترات طويلة.. ألا يتناقض هذا مع أقوالك وصراحتكم هذه الأيام.. ولماذا لم تطلق هذه الدعوة في حينها؟!
