من أين لك هذا؟.. سؤال يصنع هيبة الدولة
القانون لا يستمد هيبته من نصوصه، بل من عدالة تطبيقه، والفساد لا يخشى كثرة التشريعات، وإنما يخشى سؤالًا واحدًا يُطرح في هدوء، ويُوجَّه إلى الجميع بلا استثناء: من أين لك هذا؟ ثلاث كلمات تبدو عابرة، لكنها في حقيقتها من أكثر الأسئلة إزعاجًا للفاسدين، لأنها لا تناقش حجم الثروة، وإنما تبحث عن مصدرها، ولا تعادي الغنى، وإنما تميز بين الكسب المشروع والمال الذي نما في ظلال السلطة، أو استند إلى النفوذ، أو خرج من جيوب الناس ليدخل حسابات خاصة.
وإذا كانت قوة الدول تُقاس بقدرتها على إنفاذ القانون، فإنها تُقاس أيضًا بجرأتها في طرح هذا السؤال على كل من يتولى مسؤولية عامة. فالدولة التي تخشى مساءلة أصحاب المناصب، تفقد هيبتها قبل أن تفقد أموالها، أما الدولة التي تجعل الجميع سواء أمام القانون، فإنها تبني الثقة قبل أن تبني المشروعات.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا يخيف هذا السؤال بعض الناس؟ وإذا كانت الثروة قد جاءت من طريق مشروع، فلماذا الانزعاج من كشف مصادرها؟ ولماذا تتحول المطالبة بالشفافية أحيانًا إلى اتهام، وكأن الإفصاح عن الذمة المالية عدوان على الخصوصية، لا حماية للنزاهة؟
لقد سبق الإسلام إلى إرساء هذا المبدأ قبل أن تعرفه النظم القانونية الحديثة بقرون طويلة. فالقرآن الكريم لم يكتف بتحريم السرقة والرشوة، بل وضع قاعدة عامة تحاصر كل صور الكسب غير المشروع، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. فالمال العام في التصور الإسلامي ليس ملكًا للحاكم، ولا للمسؤول، وإنما أمانة يسأل عنها أمام الناس في الدنيا، وأمام الله يوم القيامة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يحاسب رسول الله ﷺ أحد عماله بعدما عاد من عمله وقال: "هذا لكم، وهذا أُهدي إليّ". فوقف النبي ﷺ يخطب في الناس قائلًا: «هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟».
لم يكن الاعتراض على الهدية في ذاتها، وإنما على أن المنصب هو الذي جلبها. وكأن الرسول ﷺ كان يقرر قاعدة خالدة: لا تخلطوا بين الوظيفة والثراء، ولا تجعلوا السلطة بابًا للكسب. وهنا يفرض الواقع علينا أسئلة لا يجوز الهروب منها.
كيف تتحول ثروات البعض خلال سنوات قليلة إلى أرقام يصعب تفسيرها؟ وكيف يصبح من الطبيعي أن يغادر بعضهم مواقعهم بما لم يكونوا يحلمون به قبلها؟ ولماذا لا تثير مظاهر الثراء المفاجئ فضول المجتمع كما تثيره أخبار المشاهير؟ وهل أصبحنا نندهش من السؤال أكثر مما نندهش من تضخم الثروة؟
إن المشكلة ليست في أن يوجد فاسدون؛ فذلك موجود في كل زمان ومكان، وإنما في أن يختفي السؤال، أو يُطرح على الضعفاء وحدهم، بينما يظل الأقوياء بمنأى عن المساءلة. فالعدالة الانتقائية ليست عدالة، والشفافية التي تستثني أصحاب النفوذ ليست شفافية، والقانون الذي يعرف الأسماء قبل أن يعرف الوقائع يفقد رسالته.
ولذلك لم تحقق الدول المتقدمة نجاحها في مكافحة الفساد بمجرد تشديد العقوبات، بل ببناء منظومة تجعل اكتشاف الفساد أسهل من إخفائه. فالإفصاح عن الذمة المالية، وتتبع تضارب المصالح، والرقابة على الإثراء غير المبرر، والشفافية في التعاقدات العامة، وحماية المبلغين، واستقلال الأجهزة الرقابية والقضاء، كلها أدوات تجعل سؤال "من أين لك هذا؟" ممارسة مؤسسية لا حملة موسمية، وثقافة دولة لا رغبة أفراد.
وهنا تبرز المقارنة المؤلمة: هل ننتظر وقوع الجريمة ثم نتحرك؟ أم نغلق أبوابها قبل أن تقع؟ وهل نكتفي بالاحتفاء بحملات القبض على الفاسدين، أم نسأل لماذا لم تُكتشف ثرواتهم إلا بعد سنوات؟ أليس نجاح الرقابة الحقيقي أن تمنع الفساد قبل أن تكشفه؟
إن أخطر ما يقتل المجتمعات أن يعتاد الناس رؤية الثراء بلا تفسير، وأن ينشأ الأبناء وهم يظنون أن النفوذ أسرع طريق إلى الغنى، وأن الأمانة مجرد فضيلة أخلاقية لا قيمة عملية لها. عندها لا يفسد الاقتصاد وحده، بل يفسد الضمير أيضًا.
والفساد لا يبدأ حين تُختلس الأموال، بل يبدأ حين يُقتل السؤال، وحين يخاف المجتمع من مساءلة المسؤول أكثر مما يخاف من ضياع المال العام. فإذا مات السؤال، ماتت الرقابة، وإذا ماتت الرقابة، تمدد الفساد في صمت.
إن الأمم لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالخطب، وإنما تُصان حين يشعر كل من يتولى مسؤولية عامة أن المنصب ليس امتيازًا، بل حساب عسير، وأن الثروة التي لا يفسرها عمل مشروع ليست وجاهة، وإنما علامة استفهام.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في كل دولة تريد أن تحارب الفساد بصدق: هل نريد أن نعاقب الفاسد بعد أن ينهب المال العام، أم نريد أن نجعل مجرد التفكير في الفساد مغامرة خاسرة؟
إن الفرق بين الدول المتقدمة والدول المتعثرة ليس أن الأولى تخلو من الفاسدين، وإنما أنها لا تسمح لهم بالاختباء طويلًا خلف المناصب، لأن سؤالًا واحدًا يظل حاضرًا فوق الجميع، لا يعرف محاباة، ولا يخضع لمجاملة، ولا يستثني أحدًا...من أين لك هذا؟
