رئيس التحرير
عصام كامل

هكذا يكون الرفاق!

18 حجم الخط

لا يعيش الإنسان في فراغ، بل يتشكل كل يوم بما يسمعه، وما يراه، ومن يجالسهم. فالدوائر التي تحيط بنا ليست مجرد وجوه نلتقيها، وإنما هي مرايا تعكس أفكارنا، وتعيد تشكيل طموحاتنا، وترسم حدود ما نعتقد أنه ممكن أو مستحيل. ولهذا لم يكن اختيار الصحبة في الإسلام مسألة اجتماعية فحسب، بل كان قضية بناء للإنسان.

 

يلخص بعض علماء النفس هذه الحقيقة بقولهم إن البيئة الاجتماعية المحيطة تؤثر بدرجة كبيرة في مشاعر الإنسان ونظرته إلى نفسه، حتى وإن ظل القرار النهائي للسلوك بيده. فالمجتمع قد لا يجبرك على فعل شيء، لكنه يستطيع أن يرفع همتك أو يقتلها، أن يزرع فيك الأمل أو يغذي فيك الاستسلام.

 

إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الفشل، وإنما الاعتياد على الفشل، وليس الضعف، وإنما التعايش مع الضعفاء حتى يصبح الضعف هو المعيار الطبيعي للحياة. ولهذا كان أكبر تحدٍّ في رحلة النجاح هو مقاومة ضغط المجتمع عندما يدعوك إلى الاكتفاء بالقليل، أو يقنعك بأن الأحلام الكبيرة ضرب من الخيال.


لقد كشف علم النفس أن العقل البشري يعمل بآليتين أساسيتين: المقارنة والمنافسة. فالإنسان يقيس نفسه بمن حوله بصورة تلقائية، ثم يبني مستوى طموحه وفق ما يراه أمامه. فإذا عاش وسط أناس يكتفون بالحد الأدنى، هبط سقف أحلامه دون أن يشعر، أما إذا عاش بين أصحاب الإنجاز والإبداع، ارتفع سقف توقعاته من نفسه، واتسعت دائرة الممكن في عقله. وهذه ليست دعوة إلى الحسد أو الغرور، وإنما إلى المنافسة الشريفة التي تصنع التقدم.

 

ولذلك جاء القرآن الكريم موجهًا هذه الغريزة الإنسانية الوجهة الصحيحة فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، فلم ينه الإسلام عن المنافسة، وإنما نقلها من صراع على الدنيا إلى سباق في معالي الأمور، وفي كل ما ينفع الإنسان ويعمر الحياة. وقال سبحانه أيضًا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، فجعل السباق الحقيقي هو السباق نحو الخير والتميز والإحسان.


ومن أبلغ ما قيل في أثر البيئة قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ففي الآية توجيه واضح بأن ملازمة الصالحين ليست ترفًا، وإنما وسيلة لحماية القلب والعقل من الانحراف.

 

وجاءت السنة النبوية تؤكد هذا المعنى بأروع تصوير، فقال النبي ﷺ: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير..."، فالجليس الصالح إما أن يمنحك خيرًا، أو تتأثر بطيب أثره، بينما الجليس السيئ قد يحرق دينك أو أخلاقك أو طموحك قبل أن يحرق ثيابك.

 

وقال ﷺ أيضًا: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل." وهي قاعدة نفسية واجتماعية سبقت كثيرًا من النظريات الحديثة؛ فشخصية الإنسان لا تُصنع بقراراته وحدها، بل بمن يشاركونه تفاصيل حياته اليومية.

 

ويؤكد علماء النفس المعاصرون أن الإنسان يميل إلى تبني متوسط سلوك المجموعة التي ينتمي إليها، ولذلك فإن النجاح معدٍ، كما أن الكسل معدٍ، والانضباط ينتقل، كما تنتقل الفوضى، والطموح ينتشر كما ينتشر اليأس. فإذا أردت أن تعرف مستقبلك، فانظر إلى الأشخاص الذين تقضي معهم معظم وقتك.

 

إن وجودك وسط أصحاب الهمم العالية لا يرفع فقط سقف أحلامك، بل يرفع أيضًا قدرتك على التحمل. فما كان يبدو شاقًا يصبح عاديًا عندما تراه أسلوب حياة لمن حولك، وما كنت تظنه مستحيلًا يتحول إلى هدف قابل للتحقيق عندما ترى غيرك يبلغه.

ولهذا فإن أول خطوة في صناعة النجاح ليست تغيير الوظيفة، ولا زيادة الدخل، ولا حتى اكتساب مهارة جديدة، وإنما إعادة ترتيب دوائرك الإنسانية.

 

اقترب ممن إذا رأيتهم تذكرت الله، وإذا حدثوك تعلمت شيئًا، وإذا نجحوا حفزوك على النجاح، وإذا أخطأت نصحوك، وإذا ضعفت شدوا من أزرك. وابتعد عن كل من يسخر من الأحلام، ويستهزئ بالطموح، ويزين الكسل، ويجعل الفشل قدرًا لا يمكن الفرار منه. فالإنسان قد يهزم ظروفه، لكنه نادرًا ما ينتصر على البيئة التي استسلم لها.

 

وفي النهاية، لا تجعل معيار نجاحك أن تكون أفضل ممن حولك، بل أن تكون أفضل من نفسك بالأمس. فالمنافسة الحقيقية ليست مع الناس، وإنما مع النسخة القديمة منك. وإذا أحسنت اختيار من يحيطون بك، فإنهم لن يغيروا حياتك فحسب، بل سيغيرون الطريقة التي ترى بها نفسك، والطريقة التي ترى بها العالم.

ولهذا فإن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان ليس في المال ولا في العقار، وإنما في الإنسان الذي يختاره رفيقًا لدربه؛ لأن الصحبة ليست مجرد مرافقة، بل هي طريق يُفضي إلى مصير. فمن عاش بين أصحاب القمم، تعلّم كيف يصعد، ومن رضي بالسفوح، طال به المقام بعيدًا عن القمة.

الجريدة الرسمية