الاستثمار العقاري.. بين قاطرة التنمية وسجن السيولة (2)
في مقالتنا السابقة، تناولنا كيف تحوّل العقار في مصر من قاطرة للتنمية إلى مخزن للقيمة وسجن للسيولة، وأشرنا إلى وجود نحو 15 مليون وحدة سكنية شاغرة تُقدّر بعشرات التريليونات وتُمثّل ثروة مجمّدة في الجدران الخرسانية.
ولكن، يظل هناك سؤال جوهري يطرحه المنطق الاقتصادي: إذا كان المواطن يشتري العقار لحفظ قيمة مدخراته، فلماذا يتركه مغلقًا "على المحارة" أو مشطبًا دون استغلال بدلًا من تأجيره لتحقيق عائد إضافي يُعزز من ريع هذا الادخار؟
السبب الأول هو عُقدة التأجير.. أو الخوف من متاهة المحاكم. أول من نبهني إلى هذه العقدة هو الصديق الصحفي سالم وهبى وكذا الإعلامي والكاتب والشاعر الجميل جمال الشاعر. حيث أوضحا لي أن هناك أزمة ثقة عميقة في المنظومة القانونية والإجرائية الحاكمة لعلاقة المالك بالمستأجر. فرغم صدور قوانين الإيجار الجديد (المحددة المدة)، إلا أن الذاكرة الجمعية للملاك لا تزال متأثرة بإرث قوانين الإيجار القديم الامتدادية.
يواجه المالك في السوق المصري هواجس حقيقية تدفعه لترك شقته خالية، أبرزها: صعوبة إخلاء العين: حيث أن هناك تخوف مزمن من تعنت المستأجر ورفضه الخروج بعد انتهاء مدة العقد. أيضا هناك بطء التقاضي حيث يدرك الملاك أن اللجوء للقضاء لطرد مستأجر ممتنع قد يستغرق سنوات في أروقة المحاكم، وهي تكلفة فرصة بديلة باهظة تلتهم أي عائد متوقع من الإيجار.
أضف الى ذلك تكلفة الصيانة والأهلاك. ويرى الكثيرون أن العائد من الإيجار قد لا يغطي تكاليف إعادة ترميم الشقة وتجهيزها بعد خروج المستأجر، فضلًا عن النزاعات حول سداد فواتير المرافق (الكهرباء والمياه والغاز والأنترنت).
وأخيرا العلاقة بين أصحاب الشقق والضرائب والتخوف من عملية الإبلاغ عن المستأجرين للأمن والشرطة، وما قد تجلبه هذه العملية من تعامل مع السماسرة وبخاصة غير المرخصين، والذين لا يمكن وصف معاملاتهم مع أصحاب الشقق أو الملاك إلا نوع من البلطجة وإملاء شروط حيث لا يوجد لهم تنظيم أو نقابة.
ولك أن تتخيل أن بعض هؤلاء السماسرة يطلبون من المؤجر والمستأجر ما يعادل شهرين أو أربعة عن كل سنة تأجير. هذا الخوف الهيكلي يجعل المالك يفضل الخيار الأكثر أمانًا من وجهة نظره: شقة مغلقة وآمنة، قيمتها ترتفع مع التضخم، دون وجع دماغ قانوني أو قلق التعامل مع البيروقراطية الحكومية أو الأشخاص المزعجين من سماسرة وشركات توكيلات من تحت بير السلم.
ولقد قدمنا في المقال السابق بعض التوصيات الاقتصادية التي من شأنها أن تحول هذه الطاقات الساكنة إلى طاقات منتجة، ولكن تلقيت توضيحات واستفسارات وبخاصة من الأصدقاء العاملين بالمهنة مثل الصديق العزيز المهندس عادل لطفى (رئيس مجلس إدارة مؤسسة زايد للإبداع ورئيس جمعية مستثمرى الشيخ زايد) والذى طلب توضيح لكيفية الانتقال بالتوصيات الأربع التي طرحناها من حيز السياسات إلى حيز التنفيذ.
وهذا ما سأقوم بشرحه هنا..
أولا: تفعيل حقيقي لصناديق الاستثمار العقاري (REITs).
وحتى يحدث هذا يتم وضع شروط ميسرة لقيد هذه الصناديق في البورصة المصرية وخفض الحد الأدنى لرأس المال المطلوب لتأسيسها. فعلى سبيل التطبيق: يتم السماح لشركات إدارة الأصول بطرح وثائق بمبالغ صغيرة (مثلًا 1000 جنيه للوثيقة) تمكن صغار المستثمرين من المساهمة في مبانٍ إدارية أو تجارية كبرى تشغلها شركات عالمية وتدر عائدًا دولاريًا أو دوريًا مجزيًا، مما يسحب البساط تدريجيًا من ثقافة شراء الطوب.
ثانيا: تحفيز العقار الإنتاجي (اللوجستي والصناعي).
ويتم ذلك عن طريق منح إعفاءات ضريبية طويلة الأجل (تصل لـ 5-7 سنوات) للمطورين الذين يبنون مجمعات حرفية، ومستودعات تخزين متطورة، وحاضنات تكنولوجية في المحافظات. كذلك ما يسمى بمساحات العمل المشتركة التي يتم تأجيرها من المشاريع المبتدأة (ستارت أب) أو أصحاب العمل الحر أون لاين (Freelancers).
وعند التنفيذ يجب مساواة هذه المشروعات في المرونة التنظيمية والامتيازات الإجرائية التي تمنحها الدولة للمشروعات العقارية الفاخرة شرق وغرب القاهرة.
ثالثا: إحياء التمويل العقاري الحقيقي..
ويكون ذلك عن طريق إدخال آليات مبتكرة لتقييم الجدارة الائتمانية للأفراد تعتمد على التدفقات النقدية والأنشطة الحرة، وليس فقط الرواتب الحكومية أو البنكية الثابتة. وفى هذا يمكن توسيع مبادرات البنك المركزي للتمويل العقاري طويل الأجل بفترات سداد تصل إلى 20 أو 30 سنة بفائدة مدعومة، لربط قرار السكن بالدخل المستقبلي لا بالمدخرات الحالية المتراكمة.
رابعا: تعميق السوق المالي وطرح البدائل..
عن طريق تسريع برنامج الطروحات الحكومية لشركات ناجحة ورابحة في قطاعات حيوية (كالبنوك، التكنولوجيا، والطاقة). وعند تصميم هذه الاكتتابات يجب ضمان حصصًا حصرية ومزايا سعرية لصغار المستثمرين والأفراد، لتقديم بديل استثماري سائل، ينافس جاذبية الخرسانة ويضخ الأموال مباشرة في دورة الإنتاج.
أخيرا: دعنى أناقش المقترح الذى تقدم به أكثر من زميل وهو أن تفرض الدولة ضرائب على الشقق الخالية كأداة لإجبار الملاك على عرضها في السوق.
اقتصاديًا، هذا الإجراء قد يحمل سيناريوهات متباينة النتائج: السيناريو المتفائل (النظري): زيادة المعروض الإيجاري.. على أساس أن فرض ضريبة تصاعدية سيدفع بعض الملاك إلى عرض وحداتهم للإيجار لتجنب عبء الضريبة، مما يؤدي لزيادة المعروض وانخفاض أسعار الإيجارات، ومن ثم سنحقق عائد مالي للدولة بتوفير حصيلة ضريبية جديدة يمكن توجيهها لدعم مشروعات الإسكان الاجتماعي.
أما السيناريو الواقعي (نتيجة المخاطر الاقتصادية والتحايل) وفي ظل الخصوصية الهيكلية للسوق المصري، قد يؤدي هذا الإجراء إلى نتائج عكسية: تجميد سوق الإنشاءات الجديد. حيث يتولد عن فرض هذه الضريبة مخاوف لدى المستثمرين والمطورين، مما يؤدي إلى تباطؤ في حركة المبيعات العقارية الجديدة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على الـ 10% إلى 20% التي يساهم بها القطاع في الناتج المحلي.
واذا ما سعى عدد كبير من الملاك الى بيع وحداتهم المغلقة في الوقت فيمكن أن تنفجر فقاعة الأسعار مرة واحدة وتحدث ازمة شبيهة بأزمة سوق العقار التي حدثت في أمريكا في 2007-2008.
أيضا تفاقم أزمة الثقة: فرض الضرائب دون حل عقدة التقاضي والإخلاء سيعمق شعور المخاطرة لدى المواطن دون تقديم حل حقيقي للأزمة الهيكلية.
وهكذا يمكن القول إن معالجة أزمة الـ 15 مليون شقة مغلقة لا تبدأ بفرض العقوبات والضرائب، بل تبدأ من إصلاح البيئة التشريعية للتقاضي لمنح المالك الأمان القانوني الكافي لتأجير وحدته، بالتوازي مع خلق البدائل الاستثمارية الجاذبة. حينها فقط، سينعم الاقتصاد بـ دورة إنتاجية كاملة يتحول فيها العقار من سجن معتم للسيولة إلى شريان حيوي يغذي قطاعات الدولة الإنتاجية.
