رئيس التحرير
عصام كامل

الاستثمار العقاري.. بين قاطرة التنمية وسجن السيولة

18 حجم الخط

حينما كنت أقوم بتدريس مقرر الاقتصاد الكلي لطلاب السنة الثانية في جامعتي بولاية أوهايو بالولايات المتحدة، كان لابد لي أن أشرح ما يسمى بمؤشر عدد المساكن الجديدة، باعتباره أحد أقوى المؤشرات الاقتصادية القائدة أو الاستباقية / التنبؤية ( Leading Indicators). بمعنى أننا نستخدمها في التنبؤ بالمستقبل. 

 

والسبب في ذلك بسيط في منطقه لكنه عميق في دلالاته، فقرار بناء منزل جديد أو شراؤه في الدول المتقدمة مثل أمريكا لا يُتخذ إلا حين يثق المواطن في دخله المستقبلي على الأقل لمدة عشرين أو ثلاثين سنة قادمة -فترة القرض الذي سيسدد فيه قيمة المنزل-، حين يوافق البنك على اقراضه.. 

 

لهذا حين ترتفع أرقام هذا المؤشر، يُفسّره الاقتصاديون على أنه إشارة ثقة مؤكدة أو تفاؤل مبرر بشأن مستويات النشاط الاقتصادي القادم.. وبالتالي تعمل النظرية السيكولوجية للدورات الاقتصادية على تحقيق هذه الظاهرة المتوقعة.. ويرتفع فعلا مستوى النشاط الاقتصادي. وطبعا العكس صحيح.


والأهم من ذلك أن صفقة شراء منزل في الولايات المتحدة أو أوروبا هي في جوهرها دورة إنتاجية كاملة.. فحين يرتفع مؤشر مبيعات المنازل الجديدة في الولايات المتحدة أو ألمانيا، فإن الأثر لا يتوقف عند شركات المقاولات ومصانع الأسمنت والحديد، بل يتعدى ذلك إلى ما يمكن تسميته اقتصاديات التجهيز. فالمنزل الجديد هناك هو المحفز الأول لشراء الأجهزة الكهربائية والأثاث، ولتركيب شبكات الاتصالات وأنظمة الأمن الذكية. 

 

هذا كما أن بناء المجمعات السكنية من شأنه أن يخلق طلبًا مقابلًا على وسائل المواصلات -سيارات وأوتوبيسات ودراجات- وبالضرورة  الطرق، والخدمات العامة، مما يحفز استثمارات الدولة في البنية التحتية. وهكذا في الغرب فشراء منزل يعني دورة إنتاجية كاملة تبدأ من المصنع وتنتهي بتشغيل الخدمات، ومن ثَمّ يصبح ارتفاع مؤشر المبيعات العقارية انعكاسًا حقيقيًا لزيادة الطلب الكلي ومؤشرًا على ارتفاع مستويات التشغيل في الاقتصاد.


حين ننقل هذا المنطق إلى السوق المصري، نجد أن هذا لا ينطبق، بل ينعكس. القطاع العقاري المصري يُسجّل أرقامًا ضخمة -ارتفعت مبيعاته عام 2024 بنسبة 65% لتبلغ 2.5 تريليون جنيه- لكن هذه الضخامة لا تعكس دائمًا تنمية حقيقية. 

 

فبينما تُشير البيانات الرسمية إلى أن قطاع التشييد والبناء يُسهم بنحو 10% من الناتج المحلي، يرى بعض خبراء القطاع أن الرقم الفعلي يصل إلى 20% حين تُضاف الأنشطة العقارية المرتبطة. والفجوة بين الرقمين ليست مجرد خلاف إحصائي؛ إنها تعكس غموضًا في تعريف ما يُنتجه القطاع فعلًا.


المقارنة الحقيقية المثيرة للقلق ليست في حجم المساهمة بل في طبيعتها. في الغرب، يتراوح الاستثمار العقاري الخالص بين 3 إلى 5% من الناتج المحلي، والباقي يأتي من خدمات الإسكان الفعلية والإيجارات، أي أن الجزء الأكبر ينبع من وحدات مأهولة ومستخدمة. أما في مصر، فتكشف الأرقام عن نحو 15 مليون وحدة سكنية شاغرة، تُقدَّر قيمتها بعشرات التريليونات. هذه الوحدات لا تولّد إيجارات ولا تستهلك خدمات ولا تُحرّك صناعات؛ إنها ثروة مجمَّدة في الجدران الخرسانية.


والسبب في هذا الوضع ليس السلوك غير العقلاني للمصريين بل هو العكس تماما. في غياب أسواق مالية عميقة وفي مواجهة موجات التضخم المتتالية وتراجع قيمة الجنيه، تحوّل العقار إلى الملاذ الوحيد الملموس الذي يثق فيه المواطن لحفظ قيمة مدخراته. 

نحن لا نشتري منازل لنسكنها في الغالب، بل نشتري خرسانات لنحمي فيها ما تعبنا في جمعه. هذا سلوك رشيد في مواجهة بيئة اقتصادية هشّة، لكنه يُحوّل القطاع العقاري من قاطرة للتنمية إلى مخزن للقيمة وسجن للسيولة.


في عام 2026، أُعلن عن مشروع عقاري عملاق في شرق القاهرة، باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، يضم مئات الأبراج ويعتمد على بنية تحتية رقمية متكاملة وشبكة لوجستية تحت الأرض. والمشروع بتصميمه الطموح يستحق الإعجاب بلا شك، غير أن الامتيازات التي حصل عليها تستدعي التأمل. 

إذ أُقرّت له أول منطقة استثمارية خاصة في مصر، وهو ما يعني تبسيط إجراءات التراخيص وإنشاء دوائر جمركية مخصصة وتعديل اشتراطات ضريبية. وما أثار الانتباه هو اشتراك الحكومة بكامل هيئتها في افتتاحه.  

 

والسؤال المشروع هنا: لماذا لا تُمنح هذه الامتيازات للمشروعات الصناعية والتكنولوجية التي تُوظّف مئات الآلاف من صغار العمال وتبني قدرات تصديرية حقيقية؟ تسهيل الإجراءات لمشروع بمليار دولار وليس لمصنع صغير في دلتا النيل يعني أن الامتياز الإجرائي هو في النهاية شكلٌ من أشكال الدعم الانتقائي، يُرسّخ تمركز الثروة في العقار الفاخر بدلًا من توزيعها على القطاعات الإنتاجية. 

 

هذا لا يعني أن المشروع ضار في حد ذاته، لكنه يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تُوظَّف المرونة التنظيمية النادرة في الدولة لصالح فئة معينة أو قطاع معين أم هي لصالح المواطن المستثمر بغض النظر عن القطاع الإنتاجي الذى يتم الاستثمار فيه؟!


بدلًا من محاربة دافع الادخار العقاري لدى المصريين  -وهو دافع لا يمكن محاربته ولا يجب- تستطيع السياسة الاقتصادية أن تُعيد توجيهه بأربع أدوات:
تفعيل صناديق الاستثمار العقاري (REITs) Real Estate Investment Trusts  : بدلًا من أن يشتري المواطن شقة يُغلقها، يستطيع الاستثمار في صناديق تملك عقارات تجارية وإدارية تُشغَّل فعليًا وتُدرّ دخلًا دوريًا. هذا يُحوّل مدخراته من أصل جامد إلى أداة مالية سائلة وقابلة للتداول، وقانون الـ REITs المصري موجود لكنه يحتاج تفعيلًا حقيقيًا.


تحفيز العقار الإنتاجي لا الفاخر: الحوافز الضريبية ينبغي أن تتجه نحو الوحدات الصناعية والمخازن اللوجستية والمجمعات الحرفية، لا نحو الأبراج السكنية في التجمعات الراقية. تحويل ريع المدخرات نحو عقار "يعمل" بدلًا من عقار "ينتظر" هو ما يجب أن نفعله.


إحياء التمويل العقاري الحقيقي: حين يتمكن المواطن من شراء مسكنه بتمويل بنكي مرتبط بتدفقاته النقدية المستقبلية لا بمدخراته المتراكمة، تتحرر تلك المدخرات لتذهب إلى مشروعات منتجة. التمويل العقاري الحقيقي يفصل قرار السكن عن قرار الادخار، وهذا الفصل هو ما يجعل العقار قاطرة لا سجنًا.
 

تعميق السوق المالي: لا يمكن كسر احتكار العقار للادخار المصري إلا بتقديم بدائل حقيقية؛ اكتتابات عامة في شركات حكومية ناجحة موجهة للمستثمرين الصغار، وسندات ادخارية تُنافس عوائد الطوب والأسمنت.. الجنيه الذي يدخل البورصة اليوم يُنشئ وظيفة غدًا؛ أما الجنيه الذي يبني جدارًا خرسانيًا مغلقًا فهو يختفي من دورة الإنتاج لسنوات.

السوق العقاري المصري يمتلك طاقةً هائلةً مكبوتة، لكنها طاقة ساكنة لا منتجة.. التحدي الحقيقي ليس في رفع أو خفض حجم المبيعات العقارية، بل في إنشاء منظومة اقتصادية ومالية تمنح المواطن المصري بدائل تحفظ قيمة مدخراته دون أن تضطره لتجميدها في شقق مغلقة. حين يتحول العقار من مخزن للقيمة إلى عنصر إنتاجى، يمكن عندها لهذا القطاع العملاق أن يؤدي دوره الحقيقي كقاطرةً للتنمية، كما يفعل في كل اقتصاد ناضج.

الجريدة الرسمية