رئيس التحرير
عصام كامل

حتى يصل الدعم إلى مستحقيه.. لماذا نحتاج مشروع الإفصاح الوطني؟ (2)

18 حجم الخط

في المقالة السابقة رصدتُ الجدل الحالى الدائر بين اقتصاديين المحروسة حول التحول للدعم النقدي، وخلصتُ إلى أن هذا التحول مهما كانت حجج مؤيديه يستلزم شرطًا أوليًا لا غنى عنه: قاعدة بيانات دقيقة نعرف بها من يستحق الدعم ومن لا يستحق؟ 

بالإضافة إلى مستوى الدخل، فيجب أن نعرف أين يقيم؟ هل يعمل أم لا؟ كم فرد يعيش معه ويقوم بإعالته؟ هل يسكن في فيلا أم في المقابر؟ مستوي تعليمه ومستويات تعليم الموجودين معه؟ هل لديهم قريب أو عائل بالخارج؟ وغير ذلك الكثير من المعلومات الأساسية التي سنفصلها في المقال القادم. الفكرة أن تنفيذ هذا الشرط هو ما أُسميناه مشروع الإفصاح الوطني.

  
ولكن يظل التساؤل: هل يستحق هذا المشروع كل هذا الاهتمام؟ ألا يكفي تطوير قوائم التموين الحالية تدريجيًا؟ كما حدث ومازال يحدث؟ الإجابة المباشرة هي: النفى.. لا يكفي التعديل والتحديث الآن.. ذلك أن قاعدة البيانات الوطنية الشاملة لمستويات المعيشة ليست مطلوبةً لإصلاح الدعم وحده، بل هي أداةٌ استراتيجيةٌ تحتاجها الدولة لعشرات المهام الأخرى التي لا يُختلف على أهميتها أحد والتي سنفصلها تباعا.

الفجوة بين الأرقام ودلالتها من ناحية العدالة الاجتماعية.. حيث يبلغ عدد حاملي بطاقات التموين نحو 60.8 مليون مواطن، ويستفيد من دعم الخبز نحو 64 مليونًا، في حين تشير أحدث البيانات إلى أن نسبة الفقر تدور حول ثلث السكان، أي ما يزيد على ثلاثة وثلاثين مليونًا. 

الفارق بين الرقمين يعني ببساطة أن هناك أكثرمن عشرين مليون مواطن على الأقل يحملون بطاقات تموين وهم قد لا يستحقونها.. بينما ثمة فقراء آخرون في مناطق نائية أو اقتصاد غير رسمي يعجزون عن إثبات استحقاقاتهم ويقعون خارج المنظومة.
 

هذه ليست مشكلةً ماليةً في الدرجة الأولى -دعم الغذاء لا يتجاوز 0.8% من الناتج المحلي- هذه مشكلةٌ عدالة اجتماعية واخلاقية لأن الموارد الاجتماعية المحدودة لا تجد طريقها إلى من يستحقها بالكامل. وهذا الاختلال لا يُصلَح بتعديل طفيف أو كبير في قوائم التموين، بل يستلزم مسحًا وطنيًا شاملًا  دقيقا يُنشئ خريطةً حقيقيةً لمستوى معيشة المواطنين.


ستة أسباب يجمع عليها الخبراء.. دعونا نتجاوز ملف الدعم تمامًا ونسأل: لماذا تحتاج الدولة المصرية إلى قاعدة بيانات دقيقة لمستويات الدخل والمعيشة؟ الإجابة تطول، لكن يمكن تلخيص ما يتفق عليه الاقتصاديون في ستة محاور:
 

التخطيط الاقتصادي الدقيق: 

خطط التنمية تُبنى على افتراضات حول توزيع الدخل والثروة. فرغم وجود بيانات من بحث الدخل والإنفاق كل خمس سنوات، تظل الفجوة المعلوماتية بين مسح وآخر كبيرة في اقتصاد سريع التحول
 إدارة الأزمات والكوارث: اختبرت مصر مؤخرًا كيف تُستخدَم قوائم التموين لتوزيع دعم طارئ سريع. لكن فاعلية هذه المنصة تعتمد على دقة قوائمها. في زمن الأزمات، القرار الخاطئ في الاستهداف يعني محتاجًا لم يصله المدد.


 السياسات الضريبية العادلة: 

لا يمكن بناء منظومة ضريبية تصاعدية عادلة دون معرفة موثوقة بتوزيع الثروة والدخل. ومشروع الإفصاح يُنتج هذه المعرفة كأثر جانبي طبيعي.


 برامج الإسكان والمرافق: 

الوحدات السكنية المدعومة وصكوك ضمان الإيجار وربط الخدمات بمستوى الدخل، كلها تحتاج خريطةً معيشيةً دقيقة لتكون عادلةً في توجيهها.


 سياسات سوق العمل: 

معرفة التوزيع الجغرافي والقطاعي للفقر والبطالة تُمكِّن الحكومة من توجيه برامج التدريب وفرص العمل إلى حيث تُحدِث الأثر الأكبر.


تقييم أثر السياسات الاجتماعية: 

بدون خط أساس مبدئي دقيق لمستويات المعيشة، يستحيل قياس الأثر الحقيقي لأي برنامج اجتماعي من تكافل وكرامة إلى حياة  كريمة إلى مبادرات الصحة والتعليم. 

 

قاعدة البيانات كـ"بنية تحتية اجتماعية": 

أننا نُنفق مليارات الدولارات على بنية تحتية مادية: طرق وجسور وموانئ ومحطات كهرباء. لكن البنية التحتية الاجتماعية -أي القدرة المؤسسية على معرفة أحوال المواطنين وتوجيه الموارد إليهم بكفاءة- تحظى باهتمام أقل بكثير رغم أن عائدها قد يكون أعلى.. 

الدول التي تمتلك سجلات اجتماعية حديثة ودقيقة -كالبرازيل بسجل "كاداسترو أونيكو" الذي يضم أكثر من تسعين مليون مواطن، أو تشيلي بنظام تسجيلها الاجتماعي الموحد- قادرةٌ على الاستجابة السريعة لأي أزمة، وعلى ضخ الدعم إلى الأشد احتياجًا في ساعات لا أسابيع. هذه القدرة هي ما يمنحها إياها الاستثمار المبكر في المعلومة الصحيحة.

الخلاصة 

إذا كنا جادين في معالجة ملف العدالة الاجتماعية في مصر -الدعم والإسكان والصحة والتعليم والضرائب معًا- فالخطوة الأولى واحدة لا بديل عنها: أن نعرف من هم المواطنون الذين تخدمهم هذه السياسات، وما مستويات معيشتهم الحقيقية، وكيف تتغير هذه المستويات بمرور الوقت.. مشروع الإفصاح الوطني هو هذه الخطوة الأولى. 

وفي المقالة الثالثة سأُفصِّل كيف يمكن تنفيذه بكفاءة في غضون ثلاثة أشهر، مستعينًا بالطاقة البشرية والتقنية المتاحة، وبدرس عملي من تجربة كينيا في الوصول إلى آخر محتاج في أبعد نجع وأكثر المناطق النائية وعورة في الوصول إليها.

الجريدة الرسمية