حتى يصل الدعم إلى مستحقيه.. مشروع الإفصاح الوطني (1)
في 20/ 12/ 2012 نشرت مقالا في جريدة الأهرام بعنوان (حتى يصل الدعم الى مستحقيه) وقدمت في المقال مقترحا بمشروع أسميته: مشروع الإفصاح الوطني، وكان يهدف الى التحديد الدقيق للمستحقين للدعم. قدمت المقترح في تلك الأيام إلى زميلي وصديقي الدكتور أشرف العربي الذي كان قد تم تعيينه وزيرا للتخطيط وكنت متطوعا لمساعدته على شكل مذكرة تفصيلية.
وفعلا قدمه الدكتور أشرف العربي آنذاك إلى رئيس الوزراء الذي رفض أن يبحثه أو يبدى فيه رأي حتى لا يقال إن الحكومة تريد المساس بالدعم وكان الجميع حينئذ يعد نفسه لدخول الانتخابات..
ولكن الأسبوع الفائت وفى خضم النقاشات المتجددة حول منظومة الدعم، طرح الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون الاقتصادية، وهو له باع طويل من الخبرة والخدمة العامة تساؤلًا جوهريًا يعيد فيه ترتيب أولويات الجدل الاقتصادي برمته.
ففي حديثه البارز المنشور بجريدة الجمهورية، في 30 أبريل، أعاد توجيه البوصلة، مجددا بعباراته الواضحة والحاسمة: "في رأيي الشخصي أن الدعم سواء نقدي أو عيني لا يذهب للمستحقين حتى هذه اللحظة.. وأنا من أنصار الدعم النقدي. لكن بصرف النظر عن نوع الدعم فأن المشكلة تكمن في تحديد المستحقين".
وهكذا ذكرني حديث الدكتور حسين عيسى بهذا المقال والمذكرة التي كنت قدمتها الى الصديق العزيز الدكتور أشرف العربي. وذكرني بان الجدل الدائر حاليا حول شكل الآلية - سواء أكانت سلعًا تُقدَّم أم نقودًا توضع في يد المواطن- هو استهلاك للوقت ما لم نجب أولًا على السؤال الجوهري: من هو المستحق للدعم؟
فسواء اعتمدت الدولة هذا المنهج أو ذاك، فإن صلب الأزمة يبقى واحدًا؛ فرغم التعديلات والاصلاحات التى حدثت لقواعد البيانات وبخاصة بطاقة التموين فإننا في حاجة لأن نقلل عدم الدقة وندعم مصداقية هذه البيانات، لاننا سنحتاجها بصورة جوهرية وبتحديد أكثر دقة لو تحولنا للدعم النقدي.
حين نُشرت المقال عام 2012، كانت قاعدة البيانات المعتمدة لبطاقات التموين تضم نحو 58 مليون مواطن يمثلون أكثر من 75% من إجمالي عدد السكان آنذاك.
واليوم، وبعد مرور سنوات طويلة ومحاولات عدة لتنقية الجداول وتنظيفها، تُشير البيانات والموازنات الرسمية الحالية إلى أن عدد المستفيدين من منظومة دعم السلع التموينية والخبز لا يزال ضخمًا للغاية؛ إذ يبلغ نحو 61 مليون مواطن مقيدين على حوالي 24 مليون بطاقة تموينية. وفي المقابل، تقفز فاتورة هذا الدعم السلعي لتلامس حاجز الـ 200 مليار جنيه سنويًا.
هذه الأرقام تكشف صلب الأزمة: حين تشمل مظلة الدعم التمويني أكثر من 60% من المجتمع، في وقت يعيش فيه ملايين آخرون تحت خط الفقر الحقيقي ولا يجدون سبيلًا للوصول إلى هذه البطاقات، يصبح الاستهداف غائبًا. المنظومة بشكلها الحالي لا تزال تكافئ من وجد طريقًا قديمًا إليها، وتستنزف موارد الدولة دون تحقيق العدالة الاجتماعية المرجوة.
لذا دعونا نقدم مشروع الإفصاح الوطني مرة أخرى. في كل بلاد العالم نجد أن المواطن الذي يطلب الدعم أو المساعدة لا بد له أن يتقيد بما تطلبه منه الحكومة. فلماذا لا نطلب من مواطنينا الأوفياء والذين تهمهم مصلحة البلد وتحقيق العدالة الاجتماعية والذين يطلبون الدعم سواء عيني أو نقدي أن يقوموا بملأ استمارة بيانات تعدها لهم الحكومة خاصة بأوضاعهم المالية والاجتماعية والديموغرافية.
وما أمس الحاجة في مصر الآن لإنشاء مثل هذه القاعدة من البيانات الصحيحة التي يمكن أن نبدأ معها مرحلة جديدة من تحقيق العدالة الاجتماعية وتحمل المسؤولية. والقول بأن هذا المشروع صعب التحقيق لاحتياجه الكثير من الموارد مردود عليه. فلدينا القدرة لإنشاء مثل هذه القاعدة من البيانات.
فلقد قامت في الماضي وزارة التنمية الإدارية بتحقيق ما كنا نعتبره صعبًا، مثل أنشاء جداول انتخابية للمصريين في الخارج. وبالإضافة إلى وزارة التنمية الإدارية هناك وزارة التضامن الاجتماعي والتخطيط والتعاون الدولي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والذين يمكنهم تجييش أعداد غفيرة من الموظفين الذين يمكنهم المساعدة في استيفاء هذه البيانات.
وإذا اضفنا الخريجين الجدد من كليات تطبيقية مثل الهندسة والإدارة وعلوم الحاسب باعتبار ذلك ما يسمى متطلب الخدمة العامة فالأمر لن يستغرق أكثر من ثلاثة الى خمسة أشهر ويمكن أن نخرج بعدها بقاعدة بيانات سليمة تنقذنا من المشكلة الازلية وهى مأزق وصول الدعم إلى مستحقيه.
هذا ما اسميه بمشروع الإفصاح الوطني والذي أجده ضرورة حتمية في ظل ظروفنا الحالية غير المواتيه. إنني أري أن تنفيذ مثل هذا المشروع اليوم ليس مجرد خيار ترفي أو فكرة صعبة، بل هو مشروع ممكن وضرورة تفرضها الظروف الاقتصادية الصعبة والضاغطة التي تعاني منها البلاد، من تضخم متسارع، وتزايد أعباء الموازنة العامة، وتصاعد الدين العام.
في ظل هذه المعطيات، لا تملك الدولة رفاهية إهدار جنيه واحد يذهب لغير مستحقيه. حماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي تبدأ من حماية الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما لن يتحقق دون بناء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة لمحدودي الدخل، تُجيب عن أسئلة حاسمة: أين يقيمون؟ ما أعمارهم؟ ما دخلهم الفعلي؟ وما مستواهم التعليمي والمهني؟
ولأن المشروع ضرورة، فإن تنفيذه ممكن جدًا إذا ما تم تنظيم فريق الإفصاح الوطني بكفاءة، بالاعتماد على الموارد البشرية القائمة بالفعل دون تحميل الدولة أعباء مالية جديدة، وسأقترح الهيكل التنظيمي بالتفصيل في مقالة الأسبوع القادم.
