المعنى في قلب المجهول
نحن كبشر، نميل بطبعنا إلى محاولة السيطرة؛ نبني خططًا، ونرسم مسارات، ونضع جداول زمنية، ونعتقد أننا بذلك نملك زمام حياتنا. ولكن، في اللحظات التي تخرج فيها الأمور عن سيطرتنا، وفي تلك المنعطفات المفاجئة التي لا تتماشى مع أحلامنا، نواجه سؤالًا وجوديًا عميقًا حول جدوى ما يحدث وكيف يمكن لهذا الأمر أن يكون خيرًا في جوهره.
هنا يأتي دور الإيمان الذي يتجاوز الفهم البشري الضيق، فالإيمان ليس مجرد تصديق بوجود خالق، بل هو تسليم مطلق لسيادته، وإدراك عميق بأن كل خيط في نسيج الكون، مهما بدا لنا متقطعًا أو غير مفهوم، هو جزء من لوحة عظيمة يرسمها الله بحكمة مطلقة، تمامًا كما نرى في تسليم الإنسان لتدبير الرب رغم تخطيطه الشخصي، إذ يقول الكتاب: "قَلْبُ الإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطْوَتَهُ" (أم 16:9).
حين نقول: إن كل شيء يحدث من يد الله، فنحن لا نقصد الحتمية القدرية التي تسلبنا المسؤولية، بل نقصد السيادة الحكيمة التي تحول الواقع. نحن نؤمن أن الله ليس مراقبًا بعيدًا لدراما الكون، بل هو المحرك لكل تفصيل، وهو القادر على تحويل كل ألم يبدو لنا محض صدفة إلى خير يخدم غايته النهائية فينا، وهو ذات المعنى الذي جسده يوسف الصديق حين أدرك أن ما أراد به إخوته شرًا، أراده الله خيرًا لإنقاذ حياة الكثيرين، مؤكدًا ما ورد في (تك 50: 20).
هذه الحقيقة ليست مجرد تعزية عاطفية، بل هي أساس عقائدي راسخ يختصره الرسول بولس في قوله: "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ" (رو 11: 36). إن هذه الآية هي إعلان عن شمولية السيادة الإلهية؛ فهو المصدر الذي انبثق منه كل شيء، وهو الحامل الذي يسند الوجود، وهو الغاية التي تتجه نحوها كل الأرواح.
إن هذه السيادة تمنحنا طمأنينة في وسط العواصف، لأننا نعلم أن خطواتنا ليست عشوائية بل هي تحت رعاية دقيقة، كما يشير المزمور: "مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ تَتَثَبَّتُ خَطَوَاتُ الإِنْسَانِ وَفِي طَرِيقِهِ يُسَرُّ" مز (37: 23).
وعندما تضيق بنا السبل ونظن أننا فقدنا الاتجاه، يرتفع صوت الرجاء ليذكرنا بأن خطط الله ليست كخططنا، وأن مقاصده هي دائمًا للخير والرجاء، مستندًا إلى الوعد الإلهي: "لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرٍّ، لِتُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً" (إر 29:11).
عندما نعيش بهذا المنطق، تتغير نظرتنا للأحداث جذريًا؛ فالصعوبات لم تعد عقبات عشوائية بل أصبحت تدريبات إلهية، والضياع لم يعد تِيهًا بل أصبح رحلة اكتشاف يقودنا فيها الرب نحو ذاته. إنها دعوة للتوقف عن المقاومة العبثية للواقع، والبدء في الثقة باليد التي تدير الواقع.
إن السعادة الحقيقية والسكينة التي تفوق كل عقل لا تأتي من امتلاك الإجابات لكل "لماذا"، بل تأتي من الثقة المطلقة في "مَن" يمسك بزمام الأمور، وحين ندرك أن كل ما يأتي من يده هو خير، فإننا ننتقل من حالة القلق الدائم إلى حالة التسليم المبهج، واثقين أن كل خيط في حياتنا، مهما بدا مظلمًا، هو جزء من تدبير إلهي مليء بالحب والكمال.
