رئيس التحرير
عصام كامل

الظل الذي تعلّم الكلام

18 حجم الخط

لم يكن يخاف من الظلال، بل كان يراها جزءًا طبيعيًا من الأشياء، امتدادًا صامتًا لها لا يملك إرادة ولا معنى مستقلًا. هكذا عاش سنواته، يتحرك ويعرف أن ظله يتحرك معه، يقف فيعرف أنه سيثبت، يختفي الضوء فيختفي معه. علاقة واضحة، لا تحتاج إلى تفكير. لكن في يوم عادي، عند لحظة لم تكن مختلفة عن غيرها، لاحظ شيئًا بسيطًا لم يستطع تجاهله.


كان يقف أمام الحائط، والضوء خلفه، فوقع ظله طويلًا ومائلًا على السطح. تحرك خطوة، فتحرك الظل، ثم توقف، لكن الظل تأخر جزءًا من الثانية قبل أن يستقر. كان تأخيرًا ضئيلًا، يكاد لا يُلاحظ، لكنه رآه بوضوح. ظن أن عينيه خدعتاه، أو أن الضوء تذبذب، فكرر الحركة، وهذه المرة راقب بعناية أكبر. تحرك، فتبعَه الظل.. ثم تأخر مرة أخرى.


لم يكن الأمر مريحًا، لكنه لم يكن مرعبًا بعد. حاول أن يقنع نفسه بتفسير منطقي، انعكاس، زاوية، خلل بصري. لكنه لم يستطع أن يتجاهل الإحساس الذي بدأ يتشكل في داخله: أن الظل لا يواكبه تمامًا.


في الأيام التالية، صار يراقبه أكثر. في الشارع، في غرفته، حتى في أبسط الحركات. ومع كل مرة، كان التأخير يصبح أوضح، أطول قليلًا، كأن الظل يتعلم الإيقاع ببطء، أو يتردد قبل أن يتبعه. لم يكن أحد غيره يلاحظ ذلك، وعندما حاول أن يشرح، بدت كلماته سخيفة حتى له.. ثم حدث التغير.


في إحدى الليالي، كان جالسًا وحده، والضوء خافت، والظلال أكثر كثافة. رفع يده، فرفع الظل يده، لكن هذه المرة.. لم يُنزلها. بقيت مرفوعة، بينما يده عادت إلى مكانها. تجمد، نظر إلى الحائط، قلبه ينبض بسرعة غير مريحة، وهو يحاول أن يستوعب ما يراه.


ببطء شديد، تحرك الظل. لم يكن انعكاسًا، لم يكن تابعًا، بل حركة مستقلة، بطيئة، كأنها تخرج من تردد طويل. انخفضت اليد، ثم مالت الرأس، في اتجاه لا يتطابق مع حركته. تراجع خطوة، فاقترب الظل منه بدلًا من أن يبتعد.


لم يصرخ، لم يهرب، لأنه لم يعرف كيف يهرب من شيء لا يملك جسدًا. فقط وقف، يراقب، بينما بدأ الظل يختبر المسافة بينهما، يتحرك على الحائط كما لو أنه يتحسس حدود عالمه. وفي لحظة صامتة، حدث ما لم يكن مستعدًا له.


تكلم الظل. لم يكن صوتًا يُسمع في الغرفة، بل إحساسًا واضحًا بالكلمات داخل رأسه، بنفس وضوح صوته الداخلي، لكنه ليس صوته. قال: تأخرت كثيرًا.


لم يفهم، أو ربما لم يُرد أن يفهم. حاول أن يرد، لكن الكلمات لم تخرج. قال الظل مرة أخرى: كنت أتعلمك. بدأ الخوف يتشكل أخيرًا، لا كصدمة، بل كإدراك بطيء. إذا كان الظل يتأخر، يراقب، يتعلم.. فهذا يعني أنه لم يكن مجرد امتداد، بل نسخة في طور التكوين.


تراجع أكثر، لكن الظل لم يتبعه كما اعتاد، بل بقي في مكانه، ثم تحرك عكس اتجاهه، كأنه يجرب استقلاله. قال: أنت تتحرك كثيرًا دون أن تفهم لماذا. أنا لا أريد ذلك.
جلس على الأرض، ظهره للحائط، يحاول أن يستوعب ما يحدث، بينما الظل يواصل حركته الهادئة، لا بسرعة، بل بثقة تزداد مع كل لحظة. قال: كنت أحتاج وقتًا، لأتعلم كيف تكون.


كيف أكون.. ماذا؟.. سأل أخيرًا، بصوت خرج بصعوبة.
جاء الرد دون تردد: "أنا." 
 

ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن فارغًا، بل ممتلئ بمعنى بدأ يتضح. الظل لم يكن يريد أن يبقى ظلًا. 
لم يكن راضيًا بدوره، ولا بموقعه، ولا بكونه تابعًا بلا اختيار.


في الأيام التالية، لم يعد الظل يلتزم بقوانينه القديمة. أحيانًا يتأخر، أحيانًا يسبق، وأحيانًا لا يظهر أصلًا حيث ينبغي. بدأ يختفي من أماكن، ويظهر في أخرى، كأنه لم يعد مرتبطًا بالضوء وحده، بل بشيء أعمق. أما هو، فبدأ يشعر بالعكس.


حضوره صار أخف، صوته أقل وضوحًا، انعكاسه في المرآة بدا أضعف، كأن جزءًا منه يُسحب تدريجيًا إلى مكان لا يراه. حاول أن يقاوم، أن يعيد الأمور كما كانت، أن يثبت نفسه في جسده، لكنه لم يكن يعرف كيف.


وفي إحدى الليالي، عندما نظر إلى الحائط، لم يجد ظله. للحظة، شعر بالراحة، كأن كل شيء عاد طبيعيًا. لكنه عندما تحرك، لم يشعر بوزنه كما كان. نظر إلى يديه، كانت موجودة، لكنها لا تبدو.. كأنها له بالكامل.


ثم رأى الظل. لم يكن على الحائط، بل واقفًا أمامه. شكل مظلم، له ملامحه، لكن أوضح، أكثر ثباتًا، أقل ترددًا. تحرك خطوة، فوقف الظل في مكانه. حاول أن يتكلم، لكن الصوت لم يخرج. قال الظل بهدوء: انتهيت. لم يفهم إن كان هذا يعني النهاية.. أم البداية.

وفي الصباح، خرج رجل إلى الشارع، يسير بثقة هادئة، خطواته متزنة، ظله يتحرك معه تمامًا، دون تأخير، دون خطأ. كل شيء يبدو طبيعيًا، كما ينبغي.
إلا أن أحدًا، لو نظر جيدًا، قد يشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.. ليس في الظل، بل في صاحبه.

الجريدة الرسمية
عاجل