رئيس التحرير
عصام كامل

الذين يسكنون الأرقام

18 حجم الخط

لم يكن يكره الأرقام، بل كان يثق بها أكثر من اللازم. منذ أن بدأ عمله في قسم الإحصاء، صار يرى العالم على هيئة جداول، نسب، ومؤشرات قابلة للقياس. كل شيء يمكن تحويله إلى رقم، وكل رقم يمكن فهمه إذا وُضع في مكانه الصحيح. كان ذلك يمنحه شعورًا نادرًا بالسيطرة، كأن الفوضى التي يعيشها الآخرون ليست سوى بيانات غير منظمة.

في البداية، كانت مهمته بسيطة؛ مراجعة تقارير سكانية، تحديث سجلات، التأكد من توافق الأرقام بين الأقسام المختلفة. عمل رتيب، لكنه مريح، لأنه لا يترك مجالًا للخطأ الإنساني، أو هكذا كان يظن.

 لكن في أحد الأيام، لاحظ رقمًا غريبًا، رقمًا لا يتناسب مع بقية الجدول، لا يرتبط بأي قيمة واضحة، ولا يتبع أي نمط يمكن تفسيره. حاول حذفه، لكن النظام رفض. حاول تعديله، فعاد كما كان، كأنه يصر على البقاء.

ظن أنها مشكلة تقنية، فرفع بلاغًا، وانتظر الرد. جاءه الرد مقتضبًا: “لا تقم بتعديل القيم المستقرة”. لم يفهم المعنى، لأن الرقم لم يكن مستقرًّا أصلًا، بل كان نشازًا واضحًا. تجاهل الأمر في البداية، لكنه لم يستطع نسيانه، لأن الرقم بدأ يظهر في أماكن أخرى، في تقارير مختلفة، في جداول لا علاقة لها ببعضها، بنفس القيمة، بنفس الشكل، كأنه ينتقل دون أن يُنقل.

بعد أيام، بدأ يلاحظ شيئًا أكثر غرابة. الرقم لم يعد مجرد قيمة في النظام، بل صار يظهر خارج الشاشة. رآه مكتوبًا على ورقة لم يتذكر أنه كتبها، على جدار مرَّ بجانبه، حتى في ترتيب الأشياء حوله. لم يكن واضحًا للآخرين، لكنه كان يراه بوضوح، كأنه علامة خفية لا تظهر إلا له.

حاول أن يتجاهله، أن يعيد نفسه إلى منطقه القديم، حيث كل شيء يمكن تفسيره، لكن الشعور بدأ يتسلل إليه بأن الرقم لا يصف شيئًا.. بل يشير إلى شيء. بدأ يبحث في الأرشيف، في السجلات القديمة، في أي مكان يمكن أن يعطيه معنى، لكنه لم يجد تفسيرًا مباشرًا، فقط تكرارًا مستمرًّا، حضورًا صامتًا لا يشرح نفسه.

في إحدى الليالي، بقي في المكتب بعد انصراف الجميع، وفتح النظام مرة أخرى، هذه المرة بعناد مختلف. قرر أن يتتبع الرقم أينما ظهر، أن يبني خريطة لوجوده، ليرى إن كان يقوده إلى شيء محدد. ومع كل تتبع، بدأ يكتشف أن الرقم لا يرتبط ببيانات عشوائية، بل بأشخاص، بأسماء، بحالات محددة.
كل سجل يحتوي على الرقم.. كان يشير إلى شخص اختفى.

ليس اختفاءً دراميًّا، بل اختفاء هادئ، كأن الشخص لم يعد موجودًا في النظام، ولا في الواقع. لا بلاغات، لا ضجيج، فقط فراغ حيث كان ينبغي أن يكون أحد. وكلما زاد تتبعه، زاد عدد هذه الحالات، وكلها مرتبطة بنفس الرقم.

شعر بشيء بارد يستقر داخله. لم يعد ينظر إلى الرقم كخطأ، بل كأثر. شيء يحدث.. ويترك هذا الرقم وراءه. حاول أن يقنع نفسه أنه يبالغ، لكن الأدلة كانت تتراكم، والنمط أصبح واضحًا أكثر مما يحتمل الإنكار. وفي لحظة لم يكن مستعدًّا لها، وجد الرقم يظهر بجوار اسمه.

تجمد أمام الشاشة، نظر إلى اسمه طويلًا، ثم إلى الرقم، كأن الجمع بينهما غير ممكن. حاول حذفه، تعديل السجل، إغلاق النظام، لكنه كان يعلم أن هذه المحاولات لن تغيّر شيئًا. لأن المشكلة لم تعد في البيانات، بل في ما تمثله.

بدأ يشعر بالتغير. ليس في جسده، بل في حضوره. زملاؤه صاروا يمرون بجانبه دون أن يلتفتوا، صوته بدا أخف، كأنه لا يصل كاملًا، وحتى انعكاسه في الزجاج لم يعد ثابتًا كما كان. لم يكن يختفي فجأة، بل يتلاشى ببطء، كما تتلاشى الأرقام حين تُحذف من معادلة.

عاد إلى المكتب في الليلة التالية، ليس ليبحث، بل ليفهم. جلس أمام الشاشة، وفتح السجل الذي يحمل اسمه، ونظر إلى الرقم، ثم بدأ يكتب ملاحظة جديدة، أول ملاحظة لا يراجعها، بل يضيفها: “هذا الرقم ليس خطأ، بل حالة”. توقف قليلًا، ثم أضاف: “حالة انتقال”.

لم يكن متأكدًا مما يعنيه، لكنه كان يشعر به. أن هؤلاء الأشخاص لم يُمحوا، بل نُقلوا إلى مكان لا يُقاس بنفس الطريقة. مكان لا يحتاج إلى أسماء، ولا وجوه، بل إلى قيم فقط.

وقبل أن يغلق النظام، ظهرت رسالة لم يرها من قبل: “هل ترغب في تثبيت حالتك؟” لم يكن هناك شرح، ولا خيارات متعددة، فقط نعم أو لا. نظر إلى الكلمتين طويلًا، ثم أدرك أن الاختيار ليس بين البقاء أو الاختفاء، بل بين أن يحدث ذلك ببطء.. أو بوعي. ضغط “نعم”.

لم يحدث شيء صاخب، لم تنطفئ الأنوار، ولم تتغير الغرفة. فقط شعر بأن شيئًا داخله قد استقر، كأن التردد انتهى. نظر إلى يده، فلم يرها تتلاشى، بل رأى حدودها تصبح أقل وضوحًا، أقل حاجة لأن تُرى.

في اليوم التالي، دخل الموظفون كعادتهم، جلسوا في أماكنهم، وفتحوا أجهزتهم، وبدأوا العمل. لم يلاحظ أحد غيابه، ولم يُسجل اسمه في أي قائمة. لكن في أحد التقارير الجديدة، ظهر رقم غريب، لا يتناسب مع بقية القيم، لا يرتبط بأي تفسير واضح. وكان مستقرًّا.

الجريدة الرسمية