عبد القادر شهيب.. وكتاب يستحق القراءة!
حين يُذكر الصحفي الذي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يسعى إلى تفكيكه وإعادة تركيبه في وعي القارئ، يبرز اسم الكاتب الصحفي عبد القادر شهيب بوصفه نموذجًا نادرًا في الصحافة المصرية المعاصرة؛ نموذجا يجمع بين صرامة المهنة وشغف المعرفة، بين دقة الشاهد وجرأة المؤلف، وبين حرارة اللحظة وبرودة التأمل.
لم يكن صعوده إلى رئاسة مجلس إدارة دار الهلال مجرد محطة إدارية في مسيرة مهنية ناجحة، بل كان تتويجًا لمسار طويل من الاحتراف الصحفي الذي صقله بالمعايشة اليومية للأحداث، والاحتكاك المباشر بصناع القرار، والقدرة على النفاذ إلى ما وراء العناوين.
غير أن ما يميز شهيب بحق ليس فقط هذا الصعود المهني، وإنما تلك الرغبة الدؤوبة في تحويل الخبر العابر إلى معرفة باقية، والواقعة المؤقتة إلى شهادة مكتوبة تتحدى النسيان.
في كتاباته، وأحدثها كتاب (شخصيات.. عرفتها عن قرب) لا يتعامل مع الشخصيات العامة بوصفها أسماءً في أرشيف السلطة، بل كعوالم إنسانية مركبة، لها دوافعها وتناقضاتها وسياقاتها. من هنا جاءت الصور القلمية التي رسمها لعدد من أبرز الفاعلين في المشهد السياسي والاقتصادي والإعلامي، من محمد حسني مبارك إلى عمر سليمان، مرورًا بـأحمد شفيق وعمرو موسى ومحمد حسنين هيكل وغيرهم.
هذه الشخصيات لا تظهر في كتاباته كأبطال أو خصوم، بل كموضوعات للفهم والتحليل، في محاولة للاقتراب من منطقها الداخلي، وكيف كانت ترى نفسها والعالم من حولها.
تكمن قيمة هذا المشروع الفكري في أنه يتجاوز حدود التوثيق إلى إعادة قراءة التاريخ القريب من زاوية الشاهد المشارك، لا الراوي البعيد. فشهيب لم يكن مراقبًا محايدًا يقف خارج الدائرة، بل كان في كثير من الأحيان داخلها، يسمع ويرى ويتفاعل، ثم يعود ليكتب بوعي من خبر التجربة، لا من سمع الحكاية. وهذا ما يمنح نصوصه كثافة خاصة، حيث تتجاور المعلومة مع الانطباع، والواقعة مع التأويل، في بناء سردي يوازن بين الحكي والتحليل.
ومن اللافت أن انشغاله بتأليف الكتب لم يكن ترفًا ثقافيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لوظيفته الصحفية. فبين كتاب “الساعات الأخيرة في حكم مبارك” وكتاب “صناعة الغلاء في مصر”، تتشكل خريطة زمنية لأحداث ما بعد عام 2011، يلاحق فيها تحولات الدولة والمجتمع، ويطرح أسئلة تتجاوز اللحظة إلى ما وراءها.
وحتى حين يخرج عن هذا السياق في كتابيه “نصف قرن قتال في بلاط صاحبة الجلالة” و“أنا والسرطان”، فإنه يظل وفيًا لجوهر مشروعه: تحويل التجربة -سواء كانت مهنية أو إنسانية- إلى معرفة قابلة للمشاركة.
إن شهيب ينتمي إلى جيل من الصحفيين الذين أدركوا مبكرًا أن الخبر يفقد قيمته إذا لم يُقرأ في سياقه، وأن السياسة ليست مجرد قرارات، بل شبكة معقدة من العلاقات والمصالح والتصورات. لذلك جاءت كتاباته محاولة دائمة لسبر أغوار هذه الشبكة، والكشف عن خيوطها الخفية، دون ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، بل بسعي صادق للاقتراب منها.
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتبهت فيه الذاكرة، يظل هذا النمط من الكتابة ضرورة لا ترفًا؛ لأنه يحفظ للتجربة معناها، وللحدث عمقه، وللتاريخ إنسانيته. ومن هنا، فإن الاحتفاء بإنتاج عبد القادر شهيب ليس مجرد تقدير لكاتب غزير الإنتاج، بل اعترافا بقيمة مشروع يسعى إلى أن يجعل من الصحافة جسرًا إلى المعرفة، لا مجرد مرآة للواقع العابر.
