رئيس التحرير
عصام كامل

حماية المواطن!

18 حجم الخط

الأسعار في مصر تبدو وكأنها حلقة مفرغة أو أزمة  لا تُدار بقدر ما تُلاحق، وكأن الدولة والمجتمع معًا يركضان خلف ظلٍ يتضخم كلما اقتربا منه. منذ قرار تعويم الجنيه وتحرير سعر الصرف، دخل الاقتصاد المصري مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة تُرك فيها السعر تحدده قوى السوق، لكن دون أن تُستكمل الشروط الضرورية لنجاح هذا التحول. 

وهنا تحديدًا تتكشف إشكالية إدارة الأزمة في عهد حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، حيث تبدو السياسات أقرب إلى ردود أفعال متتالية، لا إلى رؤية متكاملة تعيد ضبط العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع.

لم يكن التعويم مجرد إجراء نقدي، بل كان نقطة فاصلة نقلت عبء الاختلالات الهيكلية من الدولة إلى المواطن. ومع كل موجة انخفاض في قيمة العملة، كانت الأسعار ترتفع بوصفها الترجمة الفورية لفقدان القوة الشرائية، لكن ما لم يُعالج هو البيئة التي تسمح لهذه الزيادات بأن تتحول إلى سلوك دائم، لا إلى استجابة مؤقتة. 

فالحكومة، وهي تعلن محاربة جشع التجار، تمارس في الوقت ذاته سياسات مالية تضغط على التكلفة: ضرائب، رسوم، زيادات في أسعار الطاقة والخدمات، وكلها تنتقل تلقائيًا إلى المستهلك. وهنا يتولد التناقض: الدولة خصم وحكم في آن واحد.

لكن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية يُخفي نصف الحقيقة. فالمجتمع نفسه، كما تشير، أصبح جزءًا من هذه الحلقة المغلقة. التاجر الصغير، مقدم الخدمة، حتى الفرد العادي، يتعامل مع السعر بوصفه فرصة لا بوصفه التزامًا أخلاقيًا أو اقتصاديًا. 

وهكذا يتحول التضخم من ظاهرة اقتصادية إلى ثقافة عامة، حيث يسابق الجميع الزمن لتعويض خسائره المتوقعة، فيصنع خسارة جماعية مؤكدة. هذه ليست سوقًا حرة بالمعنى الكلاسيكي، بل سوق قلقة، يغذيها الخوف أكثر مما تحكمها القواعد.

في هذا السياق، تبدو سياسات الحكومة الحالية وكأنها تراهن على “التمويل عبر الألم”: تقليص الدعم، تعظيم الإيرادات، جذب استثمارات خارجية سريعة، حتى وإن جاءت على حساب استثمارات محلية أكثر استدامة. 

لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يمكن لهذا النهج أن يحل أزمة الديون؟ الإجابة الأقرب للواقع أنه يؤجلها ولا يحلها. لأن سداد الديون لا يتحقق فقط بزيادة الموارد، بل بخلق اقتصاد منتج قادر على توليد قيمة مضافة حقيقية. وإذا ظل الضغط على الداخل مستمرًا دون توسيع حقيقي لقاعدة الإنتاج، فإن أي تحسن مالي سيبقى هشًا، قابلًا للتآكل مع أول صدمة خارجية.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج يعمّق فجوة الثقة. فحين يشعر المواطن أن الدولة لا تشاركه العبء بعدالة، وأن السوق لا تحكمه قواعد منضبطة، فإنه يميل بدوره إلى سلوك دفاعي قد يبدو فرديًا، لكنه مدمر جماعيًا. وهنا تتجلى الدوامة التي وصفتها: حتى لو تحسنت المؤشرات الكلية، لن تنخفض الأسعار بسهولة، لأن السلوك الاقتصادي نفسه قد تغير.

الخروج من هذه الحلقة لا يحتاج فقط إلى قرارات اقتصادية، بل إلى إعادة تأسيس فكرة العدالة الاقتصادية كقاعدة حاكمة. ضبط الأسواق بآليات حقيقية لا شكلية، دعم الإنتاج لا الجباية، تحفيز الاستثمار المحلي قبل الارتهان للخارجي، والأهم: بناء نموذج حكم يُشعر المواطن أن الدولة قدوة لا منافس. فالمجتمع الغني ليس رفاهية، بل شرط للاستقرار، وهو وحده القادر على تمويل مشروعات كبرى، بما فيها الأمن القومي.

أما إذا استمر المسار الحالي، فإن أزمة الديون قد تُدار حسابيًا، لكنها ستُعاد إنتاجها اجتماعيًا. لأن الاقتصاد، في جوهره، ليس أرقامًا فقط، بل ثقة. وإذا انهارت الثقة، فإن أي إصلاح نقدي أو مالي يصبح كمن يسكب الماء في إناء مثقوب.

في النهاية، ليست المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في غياب السقف الذي يوقف هذا الارتفاع، وغياب الأرضية التي تعطيه معنى. وبين سقف مفقود وأرضية مهتزة، يبقى المواطن معلقًا، يدفع الثمن مرتين: مرة حين يشتري، ومرة حين يفقد الأمل في أن يتغير شيء.

الجريدة الرسمية