رئيس التحرير
عصام كامل

التجربة الإيرانية!

18 حجم الخط

لم تكن التجربة الإيرانية في بناء القدرات الذاتية وليدة ظرف طارئ أو رد فعل مؤقت على ضغوط سياسية، بل تشكّلت على مهل منذ لحظة إدراك عميقة أعقبت الحرب العراقية الإيرانية، حين اكتشفت طهران أن العالم لا يمنح الأمن مجانًا، وأن الاعتماد على الخارج في لحظات الخطر يتحول إلى عبء لا سند. 

من تلك اللحظة بدأ التحول من دولة تبحث عن حماية إلى دولة تعيد تعريف بقائها من خلال العلم، وتعيد صياغة أولوياتها بحيث يصبح البحث العلمي جزءًا من منظومة الدفاع، لا مجرد نشاط أكاديمي معزول.

  ومع تتابع العقوبات وتضييق الخناق، خاصة في ملفات حساسة مثل البرنامج النووي الإيراني، لم تنكفئ إيران كما كان متوقعًا، بل اتجهت إلى الداخل، حيث تحوّل الحصار إلى محفّز قاسٍ لكنه فعّال لإعادة بناء القدرات. 

لم يكن الطريق سهلًا، فقد دفعت أثمانًا اقتصادية واجتماعية كبيرة، لكن ما حدث أن الدولة قبلت التضحية قصيرة المدى مقابل بناء طويل الأجل، فاستثمرت في التعليم الهندسي والعلوم الأساسية، وربطت بين الجامعة والمصنع، وبين المختبر ومؤسسة القرار، لتنتج مع الوقت بنية معرفية قادرة على التكيّف والتطوير الذاتي.

هذه البنية لم تُقاس فقط بعدد الأبحاث أو ترتيب الجامعات، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة ملموسة، وهو ما يفسر القلق الذي تبديه القوى المنافسة، لأن الفارق الحقيقي لا يكمن في امتلاك السلاح بقدر ما يكمن في امتلاك القدرة على إنتاجه وتعديله وتجاوزه. 

من هنا يمكن فهم استهداف المراكز البحثية والجامعات في أوقات التصعيد، باعتبارها القلب النابض لأي مشروع استقلالي، فحين يُضرب العقل المنتج، يُصاب الجسد كله بالشلل. لقد أدركت إيران مبكرًا أن امتلاك المعرفة هو الضمانة الوحيدة للاستمرار، وأن من لا يملك أدوات العلم يظل تابعًا لمن يملكها، مهما امتلك من موارد.

وإذا كانت هذه التجربة قد نجحت في تحويل دولة محاصرة إلى لاعب لا يمكن تجاهله، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بإيران بقدر ما يتعلق بنا نحن: لماذا لم تتبلور تجربة عربية مماثلة رغم توافر الموارد والإمكانات؟ 

الحقيقة أن الخلل لم يكن في نقص المال أو الكفاءات، بل في نمط التفكير الذي رسّخ الاعتماد على الخارج، سواء في التسليح أو الحماية أو حتى في إدارة الأزمات. لقد جرى التعامل مع الأمن باعتباره خدمة يمكن شراؤها، لا منظومة يجب بناؤها، ومع العلم باعتباره ترفًا يمكن تأجيله، لا ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل.

الدروس المستفادة هنا لا تدعو إلى استنساخ نموذج بعينه، فلكل دولة خصوصيتها، لكنها تشير بوضوح إلى أن بناء القوة يبدأ من الداخل، من الجامعة التي تُنتج عقلًا ناقدًا، ومن معمل يربط النظرية بالتطبيق، ومن قرار سياسي يدرك أن الاستثمار في البحث العلمي ليس رفاهية بل شرط بقاء.

كما أن التكامل بين الدول العربية، إذا ما أُحسن توظيفه، يمكن أن يخلق كتلة علمية وصناعية قادرة على تقليص فجوة التبعية، بدل أن يظل كل طرف يعمل منفردًا في دائرة محدودة التأثير.

في استشراف المستقبل، يبدو واضحًا أن العالم يتجه إلى مرحلة تُحسم فيها موازين القوى على أساس من يمتلك المعرفة لا من يشتريها، ومن يستطيع إنتاج التكنولوجيا لا من يستهلكها. 

وفي هذا السياق، تصبح التجربة الإيرانية مثالًا على أن الإرادة السياسية حين تقترن برؤية طويلة المدى يمكن أن تغيّر موقع الدولة في النظام الدولي، حتى في ظل ظروف قاسية. أما الاستمرار في نمط الاعتماد، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهشاشة، وجعل القرار الوطني رهينة لمعادلات خارجية لا ترحم.

وهكذا يبقى السؤال معلقًا أمامنا جميعًا: هل نملك الشجاعة لإعادة تعريف أولوياتنا، والانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المنتج، أم سنظل نؤجل استحقاق بناء الذات حتى تفرضه علينا الأزمات في لحظة لا ينفع فيها التأجيل؟

الجريدة الرسمية