بدون ذكر أسماك!
الأسماك.. صارت ضيفًا ثقيلًا على المائدة المصرية، لا يقدر على استضافتها إلا الميسورون والأثرياء. حتى وقت قريب.. لم يكن الذهاب إلى مطعم أسماك أمرًا عسيرًا على عموم المصريين، ولكنه أصبح مؤخرًا ينطوي على مغامرة غير محسوبة؛ فقد تخرج منه إلى أقرب قسم شرطة، أو تُساق إلى المطبخ "تخليص حق"!
آخر مرة طالعت فيها قائمة الأسعار بأحد مطاعم الأسماك المتوسطة شعرت بأنني في متجر مصوغات ذهبية؛ فالأرقام جميعها ثلاثية، بما فيها سلطة الرنجة، وبعضها -وأيم الله- رباعية. والحمد لله أنني كنت أملك من الجرأة ما ساعدني على العودة بظهري إلى الشارع قبل أن تقع الواقعة التي ليس لها من دون الله كاشفة!
ولا أنسى أبدًا يوم أن قادتنا الأقدار (أنا والفاميليا) قبل أقل من عام إلى مطعم في أطراف الجيزة، وتصحفت "منيو الصواني" يومئذ، فاكتشفت أنها تتراوح بين 8-10 آلاف جنيه، ما يعادل وقتها ضعفي الحد الأدنى للأجور؛ فسألت الويتر: هي الأسعار دي بجد، واللا بتصوروا الكاميرا الخفية؟ ولكن يبدو أن خاصية الضحك عنده كانت معطلة، فلم يعقب؛ ما كان دافعًا لي إلى الرحيل في التو واللحظة أيضًا!
منذ ذلك الحين اشترطت على أبنائي أن يحذفوا من مقاصدهم زيارة مطاعم الأسماك؛ حتى لا يخسر بعضنا بعضًا إلى الأبد! أمَّا أنت عزيزي القارئ إذا حرضت زوجتُك فلذات الأكباد من ورائك على شراء السمك أو الذهاب إلى أحد المطاعم، فذكِّرها في الأولى بالحكمة المأثورة: طلاق الدنيا مهر الجنة، فإن أصرت واستكبرت استكبارًا، فنفذ معها في الثانية أبغض الحلال ولا تتمهل.. إنت الكسبان
وعلى مستوى الرفاق.. أبرمنا فيما بيننا ميثاقًا غليظًا ينص على أنه لن يكون من اختياراتنا التردد على مطاعم الأسماك، وعندما اقترح أحدنا أن نشتري عددًا من السنارات؛ لنصطاد بها ما نأكله، وجدنا أسعارها أشد شططًا، فانصرفت عنا الفكرة، وصددنا عنها صدودًا!
أمَّا إذا نصحك الطبيب المعالج -مثلا- بضرورة الالتزام بوجبة سمك أسبوعيًا على الأقل؛ بهدف تعزيز صحة القلب والشرايين وتقليل مستويات الدهون الثلاثية، وخفض ضغط الدم، والحد من خطر الإصابة بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية ودعم وظائف الدماغ وغيرها من الفوائد الطبية الأخرى؛ فخيِّره بين أمرين: إمَّا أن يتولى (هو) دعوتك على نفقته الشخصية أو نفقة الدولة، وإما أن يكتب لك بديلًا في المتناول.. ولن يجد.
وإذا أصر على موقفه فأخبره أن الفوائد المحتملة من أكل السمك سوف تبددها السكتة المحفظية حتمًا مقضيًا، وقد تجد نفسك مثل: محمود عبد العزيز في فيلم جري الوحوش، هائمًا على وجهك في الشوارع والميادين تردد في بلاهة: "أنا مش أنا يا دَكتور"!!
ولا يخدعنك الحديث عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسماك وتحقيق مصر مراكز متقدمة جدًا عربيًا وأفريقيًا وعالميًا في إنتاجها؛ فإن من مخرجات حكومات الدكتور مصطفى مدبولي المتعاقبات أن تحقيق الاكتفاء الذاتي في سلعة معينة لا يعني بالضرورة توافرها وإتاحتها بأسعار ممكنة لشرائح المجتمع.. (never).. فيه حد برضو يصدق الحكومة يا راجل يا طيب؟ بصوت عادل إمام!
بورصة أسعار الأسماك في الأسواق مجنونة، وترفع دومًا شعار: لا تراجع ولا استسلام ولا عودة إلى الوراء.. البلطي الذي كان يتذيل قائمة الأسعار أصبح فوق مستوي موظفي الدرجة الأولى الممتازة. أمَّا الجمبرى والسبيط والأنواع الفاخرة الأخرى من جواهر البحار فيجب عليك أن تفطم نفسك الأمَّارة بالسوء عنها، وإن تاقت إليها عنِّفها وازجرها بالموت وعذاب الآخرة..
وذكِّرها بأبيات سفيان الثوري: يا نفسُ توبي فإن الموت قد حانـا/ واعصي الهوى فالهوى ما زال فتَّانا/ أمَا ترين المنــايا كيف تلقـطنا/ لقـطًا وتُلحـقَ أخرانا بأُولانـا؟
وإذا ثارت عليك اتلُ عليها وصية الإمام علي بن أبي طالب: ليس الزهد أن لا تملك شيئًا، بل الزهد أن لا يملكك شيء..
ومن العار والشنار، وأنت في عنفوان شبابك ورجولتك، أن تملكك سمكة، حتى لو كانت سمكة الحوت التي ابتلعت نبي الله يونس، ولكنه مع الصبر واليقين بالله، خرج من بطنها، وأعاده الله إلى الحياة تارة أخرى.
لقد تقطعت به الأسباب مثلك تمامًا، لكنه ظل يلحُّ في تكرار دعائه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فافعل مثله واقتدِ به؛ فقد تزول الكربة، وتتبدد الظُلمة، ويتلاشى الفقر، وتعود إلى سيرتك الأولى في زيارة مطاعم الأسماك ودعوة الأهل والأبناء والأصدقاء إليها، وتُجمد "أبغض الحلال" حتى إشعار آخر، أو تُعدد مثنى وثلاث ورباع.. إنت وحظك!







