مختار محمود يكتب: المادة المهجورة من قانون نقابة محفظي وقراء القرآن الكريم.. تجاوزات بلا حدود في المحافل القرآنية.. ومجلس “حشاد” آخر من يعلم!
تحت ضغط غضب الفضاء الإلكتروني، أصدرت نقابة محفظي وقراء القرآن الكريم يوم السبت الماضي بيانًا أهابت فيه بالجمهور بعدم الاستعانة بأحد القراء؛ واصفة تلاواته بأنها غيرصحيحة ومخالفة للأحكام والضوابط. وفي المقابل أعلن القارئ استمراره في إحياء العزاءات غير آبه ولا مهتم ببيان النقابة!
خيرًا فعلت النقابة، حتى وإن جاءت خطواتها كالعادة متأخرة، ولكنها - كالعادة- أيضًا انتقائية جدًا. القارئ الذي ورد اسمه في بيان النقابة ليس وحده من يعبث بالقرآن الكريم في سرادقات العزاء، بل إن هناك قراء كثيرين انجرفوا في هذا التيار؛ لا سيما أن هناك قطاعًا كبيرًا من المستمعين لا تروق له التلاوة المنضبطة والقراءة المحكمة، ويبحت عما جرى وصفه في السنوات الأخيرة بـ"القرآن الشعبي"، ويقصد به الأداء المرتجل العشوائي الذي يغلب عليه التطريب المبالغ فيه والمدود غير المحدودة، فضلًا عن التراقص والتمايل بالجسد والحاجب، ولا يخلو الأمر من مجذوب أو مرتزق يقبل القارئ ويمتدح صوته وأداءه في مشهد هزلي ساخر ضاحك، ولكنه ضحك كالبكاء..بحسب "المتنبي".
المادة المهجورة
البند الثالث من المادة الرابعة بالقانون المؤسِس لنقابة محفظي وقراء القرآن الكريم، الصادر في عام 1983، ينص على دور النقابة في المحافظة على التراث الإسلامي في أحكام تلاوة القرآن الكريم والالتزام بقواعده الشرعية المقررة في علوم القراءات، وللنقابة إبلاغ الجهات المختصة بمخالفة أحكام التلاوة. (انتهى)
الواقع يُكذِّب أي دور للنقابة في هذا المضمار، خلال السنوات الأخيرة؛ فالحبل صار على الغارب، والخرق اتسع على الراتق، وأصبح كتاب الله ساحة مستباحة لكل عاطل ومُخرف. وصعد إلى دكة التلاوة من لا يتقن فاتحة الكتاب؛ حتى يُخيَّل للمرء منا أنهم يقرؤون قرآنًا غير الذي نعرفه ونسمعه؛ فالبلاء قد عمَّ الأرجاء والانحاء!
الأمر أعظم كثيرًا من نقابة يتولى شأنها نجوم السرادقات ومافيا العزاءات؛ والمصالح -حتمًا- تتصالح، ولن يغضب لكتاب الله قومٌ لا يشغلهم إلا أن يظلوا في بؤرة الضوء وتحت رضا السماسرة والفراشين الذين يرفعون قراءً، ويُخفضون آخرين!
هذا القانون إن بدا ضعيفًا هشًّا متداعيًا أمام قوى الشر من مافيا الليالي، فلا بد أن يتغير، وتُغلظ موادُّه، ويُسند أمر النقابة لأولي رُشد وغيرة على محكم التنزيل..الحفاظ على هيبة القرآن الكريم لا يتطلب قانونًا ملزمًا بقدر ما يتطلب نفوسًا تخشى الله. هناك وقائع تاريخية تشهد على قيام قراء لم يكونوا أعضاء في مجلس النقابة بزجر ونهر بل وطرد قراء متجاوزين!
لا يستقيم أن تبذل الدولة جهودًا مضنية في سبيل استعادة المجد العريق لدولة التلاوة المصرية من خلال برامج ومسابقات واحتفالات، وفي الوقت ذاته تغض الطرف عن آلاف الهازئين والمخرفين والمتجاوزين الذين يتاجرون بكتاب الله؛ فتلك ازدواجية غريبة، تتطلب توضيحًا أو تفسيرًا..أو تصويبًا للمسار!
تعديل القانون
لو تم تعديل القانون وتغليظه وتفعيله، وذهبت سيارة الشرطة مرة واحدة لأحد السرادقات، وأوقفت، قارئًا غير نقابي، أو قارئًا غير منضبط أو غير حافظ أو غير متقن..أو مهرجًا، لعادوا جميعًا إلى جحورهم؛ فمن أمن العقاب أساء الأدب.. خَوُّفوهم!!

الأزمة ليست في مجلس يذهب ومجلس يأتي، ولكن الأزمة الحقيقية تكمن في أن يكون النقيب ومعظم الأعضاء –ابتداءً- من "رفقاء الدكة؛ هذه كارثة، أثبتت الأيام خطورتها وفداحتها ومدى تأثيرها السلبي والخطير، ولولا الملامة لذكرنا تفاصيل مريرة، ولكن حتمًا سوف يأتي وقتها. قصَّرت النقابة –بتشكيليها الحالي والسابق- في جميع مهامها التي أسندها إليها قانون إنشائها، وانشغل المجلس بالبحث عن مصالح ذاتية وشخصية جدًا؛ لأن أعضاءه من "شركاء الدكة".
دهست النقابة المادة الرابعة، التي تحدد على سبيل الحصر، أهداف إنشاء النقابة؛ فلا هو نهض بمستوى حفظ وتعليم القرآن الكريم، ولا هو نشر الدعوة إلى تحفيظ القرآن الكريم وأحكام تلاوته، ولا هو حافظ على التراث الإسلامي في أحكام تلاوة القرآن الكريم، ولا هو التزم بقواعده الشرعية المقررة في علوم القراءات، ولا هو أبلغ الجهات المختصة بمخالفة أحكام التلاوة إلا في حالات القراء المغمورين جدًا، ومنهم صاحب الواقعة الأخيرة، ولا هو اضطلع بتنشيط الدراسات الدينية المتصلة بالقراءات وتشجيع القائمين بها ورفع المستوى العلمي لأعضائها! كم عضوًا بالمجلس الحالي أو المحتمل اطلع على قانون إنشاء قانون النقابة وعرف تفاصيله؟!

دور الأزهر الغائب
وفي مثل هذه الغُمة الكالحة.. نفتقد إلى الأزهر الشريف الذي يجب أن تكون له كلمة نافذة، كما كانت له كلمة نافذة إبان إنشاء هذه النقابة قبل ثلاثة وأربعين عامًا، وتدخل في أدق تفاصيلها، واُستجيب لرأيه، عندما قال يومئذ: "إنْ رغب القراء في إنشاء نقابة، فعليهم أن يتحولوا – بجانب القراءة - إلى وظيفة تحفيظ وتعليم القرآن الكريم، بحيث يقومون بتحفيظ القرآن في أوقات مُحَدَّدة وبشروط مَعلومة كشيوخ وأعضاء للمقارئ – فيكون مِن الجائز حينئذ أن تُنشأ لهم نقابة ترعى مَصالحهم؛ ذلك أن جُمهور العلماء على جواز أخذ الأجر على تعليم وتحفيظ القرآن، فيُمْكِن أن تكون مِهْنة"! واستجاب مجلس الشعب حينئذ لرأي الأزهر الشريف، وجرى تعديل شامِل لمَشروع إنشاء النقابة بناءً عليه، فأصبح اسم النقابة: "نقابة مُحفظي وقراء القرآن الكريم"، وتقدم المحفظون على القراء!
عندما تدخل الأزهر الشريف قديمًا وفرض كلمته، لم تكن الأوضاع بهذا السوء، فلماذا لا يحضر الآن ويطرح رؤية شاملة لإصلاح النقابة والحفاظ على القرآن الكريم من فوضى عارمة لا تُبقي ولا تذر؟
عندما يكون القراء هم قوام مجلس النقابة، فإنهم ينشغلون بمصالحهم الشخصية جدًا، وينشغلون عن المهمة النقابية المنوطة بهم، ومن ثمَّ فما الذي يمنع الأزهر الشريف من أن يتدخل -قانونُا أو عُرفًا في ظل العلاقة الطيبة بينه وبين وزارة الأوقاف- بحيث يكون القائمون على أمر النقابة من المُحفظين وأساتذة القراءات وأعضاء لجنة مراجعة المصحف نقيبًا وأعضاءً، ممن لا تشغلهم تربيطات العزاءات والأفراح وحفلات الطهور وما شابه، وممن لا يتحكم فيهم السماسرة والفراشون والكلافون الذين انتشروا وتوغلوا في شؤون النقابة، بل إن منهم من استطاع بأساليب ملتوية على عضوية النقابة!
أمران لازمان، ولا غنى عنهما، إذا كانت هناك رغبة جادة في إصلاح أمر تلاوة القرآن الكريم في المحافل المختلفة، أولهما: تعديل تشريعي عاجل ينظم عملية التلاوة؛ بحيث لا يسمح بالانضمام إلى جداول النقابة إلا من يستحق، بعد أن تسلل إليها من لا يحفظ جزءًا واحدًا من القرآن الكريم، ومن ثم لا يصعد إلى دكة التلاوة إلا من يصون للقرآن الكريم وقاره، وثانيهما: التنسيق بين الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف لاتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة لإعادة الشيء إلى أصله، وتنقية ميدان التلاوة من المدعين والمرتزقة.
