مختار محمود يكتب: “التلاوة المصرية" يوثق قصة التوهج.. يكشف أسباب الإنطفاء ..يلقي الضوء على ظاهرة سماسرة العزاءات وفوضى الألقاب..ويطرح اختبار الـ30 سؤالًا لتصويب المسار
بعدما تحدث عن رافعي القواعد لدولة التلاوة المصرية وبناة الصرح وأسباب الازدهار والتوهج وحدائق الترتيل.. عاد الكاتب والناقد الموسيقي هيثم أبو زيد في النصف الثاني من كتابه القيم: "التلاوة المصرية.. قصة التوهج ومسارات الانطفاء" ليضع يده في عش الدبابير ويرصد بقلم الفاهم والمدقق أعراض التراجع والتردي والتدني، طارحًا أسبابه وحيثياته، ومقترحًا حلولًا للخروج من الأزمة التي دخلتها دولة التلاوة المصرية منذ عقود ولم تغادرها حتى الآن.
يقول الكاتب: "لم ينحدر فن التلاوة بين يوم وليلة، وإنما مر بعدة مراحل، انحرف خلالها تدريجيًا عن السَّمت الكلاسيكي الموروث، انقطع خلالها ظهور الأصوات الكبيرة، وجاءت مرحلة الصوت العادي الذي لا يجذب المستمع ولا يؤذيه، ثم تسربت الأصوات المفتقدة إلى التهذيب الحضري، وضاعت القفلة المحكمة".
يؤصل الكتاب لأسباب انحدار فن التلاوة من خلال تأكيده على أن غياب النقد المُحكم لأداء القراء طول العقود الماضية يعد سببًا رئيسًا، منوهًا إلى أن السكوت عن الأخطاء والهنات المحدودة جدًا لبعض القراء المتقدمين نقلها من الهامش إلى القلب عند الأجيال اللاحقة من القراء، ومن الاستثناء العارض إلى الأصل الدائم. يعتبر "أبو زيد" أن من تداعيات انعدام النقد في عالم التلاوة ظهور طبقة من وصفهم بـ"السوقة والجهلاء وأصحاب الفراشات" الذين يبجلون قراءهم، ويضفون عليهم ألقابًا وهمية مضحكة مثل: ملك القراء، حكمدار القراء، جنرال القراء، قيصر القراء، أستاذ الجيل، سلطان المقارئ، ملك الخشوع..وغيرها الكثير.

غياب النقد وتداعياته
وفي ضوء هذا المشوار الطويل من الغفلة عن النقد يرى الكاتب أنه "يصبح من الواجب اليوم إعادة تعريف العلاقة بين التلاوة والجمهور، وبين القارئ ودكة التلاوة، وبين التراث والوعي المعاصر، مشددًا على أنه لم يعد من المقبول أن يستمر هذا الفن الذي يحمل أعظم نصوص اللغة العربية وأقدسها بلا حراسة نقدية، ولا فحص جمالي صارم، يميز بين الأصالة والادعاء، وبين الاتباع الحي والتقليد الأجوف، وأن أول خطوة في هذه المواجهة تتمثل في الكفِّ عن منح التبجيل المجاني، واستبدال التسميات الخاوية بالتحليل الموضوعي، وإعادة تربية الذوق العام على الاستماع اليقظ، وليس السماع الخاضع للضجيج الإعلامي أو العاطفة الدينية غير الرشيدة!
يُنهي الكاتب هذه الإشكالية بضرورة الاعتراف بأن ما اعتبره "الصمت النقدي" كان خيانة غير مقصودة لجماليات هذا الفن، مؤكدًا أن استعادة التلاوة المصرية عرشها المفقود مشروط بظهور عقل نقدي موازٍ يميز بين الأداء الحي والجمود المتكرر، وإعادة بناء الذوق الجمعي على معايير الجمال، لا على رموز السلطة الدينية أو الهالات الزائفة، وعندها فقط يمكن أن نأمل ببعث جديد لهذا الفن، لا بوصفه طقسًا تراثيًا يُؤدَّى في المآتم، بل بوصفه حيزًا فنيًا روحيًا يحمل من البلاغة ما يليق بالقرآن الكريم، ومن العمق ما يليق بالفكر، ومن الجمال ما يستحق الاستماع إليه.
إرهاصات تدهور دولة التلاوة
يؤرخ الكتاب لإرهاصات تدهور فن التلاوة في مصر، بعد مرحلة من ذروة الازدهار وقمة التوهج بمنتصف ستينيات القرن الماضي، لافتًا إلى أنه بعد أن انتصف عقد الستينيات بدأ يلوح في الأفق أول انحراف عن السَّمت الموروث والنمط الكلاسيكي القديم، من خلال بعض القراء الذين اجتازوا اختبارات الإذاعة في غفلة من الزمن، وغياب من القيود الصارمة التي كانت تحكم عملية الاختيار والفزر حتى أنها وقفت يومًا حائط صد منيعًا أمام اعتماد أسماء بارزة مثل المشايخ: محمد الفيومي وعبد السميع بيومي ونصر الدين الدين طوبار وسيد النقشبندي قراءً إذاعيين!!
ومن مظاهر هذا الانحراف الذي تحدث عنه الكتاب هو بدء تسلل ما وصفه بـ"الأصوات الريفية" إلى الأثير الإذاعي، مُعرفًا "الصوت الريفي" بأنه "صوت يتسم غالبًا بالجهارة والخشونة والبساطة في إنتاجه وإدارته"، ومنوهًا إلى أن "القارئ صاحب الصوت الريفي يميل إلى استخدام جمل موسيقية مسطحة زاعقة ذات طابع خطابي مباشر تشبه في بنيتها النداء أو الهتاف"، وذلك على النقيض من "القارئ الحضري" الذي يغلب على أدائه الجُمَل البنائية التي توظف المقامات بتؤدة، وتحاكي إلى حد بعيد أداءات الطرب الكلاسيكي، كما إنه يُبنى على الاقتصاد في لجهارة وانضباط في التنغيم، ودقة في إدارة الجمل، ويمتاز برقة محسوبة وقدرة على توزيع الطاقة الصوتية دون أفراط أو انكشاف.
زلزال الطبلاوي وعنتر مسلم
يجزم الكتاب بأنه مع دخول عقد السبعينيات أصيب فن التلاوة في مصر بما يشبه الزال، عندما اعتمدت الإذاعة القارئ الشيخ محمد محمود الطبلاوي الذي دشن ما وصفه بـ"التلاوة الاستعراضية التي تستثمر في النفس الطويل باعتباره قيمة قائمة بذاتها، لافتًا إلى أنه مع "زمن الطبلاوي" تراجعت البنية المقامية الهادئة المتروية، وتراجعت معها فكرة "العبور الجمالي" الذي كان يقتضيه فن التلاوة الكلاسيكي!
كما عرج الكاتب على سيرة القارئ عنتر مسلم الذي كسر قواعد قراءة القرآن الكريم وعلوم القراءات، وبلغ به الاستخفاف أنه ألف واخترع قراءات لا وجود لها في القراءات السبع ولا العشر ولا الشاذة، وأعجب به وصفق له خلق كثير من من المحرومين من التعليم ومحدودي الثقافة والمولعين بالغرائب!
حمًّل "أبو زيد" لجان الاختبار بالإذاعة المسؤولية الأكبر في تعاظم هذا الانحراف؛ بعدما بدأ الضعف الواضح يهيمن على إرادتها، حيث تخلت عن القواعد الصارمة القديمة التي أفرزت الجيل الأول من القراء، مشددًا على أن ضعف لجان الاختبار منذ هذا التاريخ وحتى الآن أدخل فن التلاوة أزمة بالغة العمق؛ إذ تحولت الإذاعة من مؤسسة مرهفة الذوق إلى منصة شبه إدارية تخضع لمعايير مجاملة أو موازين قوة خارجة عن ميدان التذوق الفني؛ لتتسلل تدريجيًا أصوات تفتقر إلى الحد الأدنى من مخارج الحروب وسلامة الأداء، ما أرسل رسالة إلى الأجيال اللاحقة تفيد بأن "التمكن والموهبة والانضباط لم يعودوا شروطًا كافية ولا ضرورية للصعود"؛ ما أتاح للمقلدين والانتهازيين أن يسيطروا على صدارة المشهد، حتى فقدت مصر شيئًا فشيئًا مكانتها الريادية التي احتكرتها عقودًا.
ومن السبعينات إلى الثمانينيات..هيمن ما وصفه الكاتب بـ"الأداء السوقي" على دولة التلاوة وقرآن الفجر والجمعة وسرادقات العزاء والمحافل القرآنية المختلفة، وأصبح ميراث دولة التلاوة في مهب الريح!

سماسرة العزاءات ومافيا السرادقات
يستطرد الكاتب: “ظل هذا الانحدار مستمرًا ومتفاقمًا حتى وصلنا إلى الألفية الجديدة، حيث بدا المشهد الإقرائي شديد العبث، عندما بدأ القراء الجدد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأنفسهم، وصاروا مادة دعائية في أيدي سماسرة العزاء ومافيا الحفلات”.
أما المهزلة الكبرى –بحسب الكتاب- فقد تجلت عندما دشن القراء أصحاب الأصوات المنفرة والأداء الخشن بالغ الركاكة مراكز لتدريب وتعليم وتأهيل قراء جدد؛ ليدخل فن التلاوة مرحلة تفكك المعايير، حيث لم يعد التراث فيها مرجعًا، ولا الجودة الصوتية شرطًا، ولا التمكن المقامي مقياسًا، وتبلغ المفارقة ذروتها عندما يتحول هؤلاء القراء المنفرون إلى مراجع تُستفتى في التلاوة؛ ما يقود في الأخير إلى تشكل مؤسسات زائفة لا تنتج سوى الرداءة!
وفي ختام الكتاب..يطرح "أبو زيد" على لجان الاختبار بالإذاعة اختبارًا من ثلاثين سؤالًا يخضع لها القراء الجدد، ولا يتم اعتماد قارئ دون اجتياز هذا الاختبار الذي يبين مدى صلاحيتهم في أربعة مستويات هي: الحفظ والتجويد والصوت والأداء، على أن يكون الحد الأدنى للنجاح فيه 95%، لضمان اختيار قارئ محترف ومتميز وقادر على تصويب المسار وإعادة الشيء إلى أصله ولو بعد حين، بدلًا من الاستغراق في طريق التردي والانحراف.
