رئيس التحرير
عصام كامل

في حب الابن البار محمد صلاح

18 حجم الخط

هذا مقال تأخر كثيرا، كان يجب أن أكتب عن هذه الشخصية الموهوبة العبقرية، خلقا وعقلا وقدما، لولا أن كوارث الدنيا تتكالب وتتصارع للهبوط الصاعق بلا هوادة فوق صدورنا، وكان عطاء محمد صلاح هو الفرحة الوحيدة، والبهجة الوحيدة، والضوء الذي ينير عتمة النفق الذي حشرنا فيه كلنا منذ خمسة عشر عاما.. 

 

لا يغيب عن متابعي كتاباتي أننى لا علاقة لي بكرة القدم ولا كتبت فيها إلا لماما، فقط كنت أشجع الأهلي، فاذا أجاد الزمالك صفقت للزمالك، وكان هذا يثير غضب أصدقاء ومعارف.. ثم سحبت علاقتي بالدوري المصري، إلا إذا كان هناك مباريات للمنتخب، فعندئذ أشعر أنها مهمة قومية واجبة الحضور والتشجيع.. 

 

وأظن أن سبب شحوب علاقتي بكرة القدم تلك العلقة الساخنة من الست أمي رحمها الله رحمة واسعة، حبيبتي وحشتني، فقد اكتشفت غيابي من البيت، ولما عدت إليها كانت ببجامتي الكستور الجديدة تمزقت من عند الركبة، فصرخت وضربت وشتمت، وانا جربت واختبأت تحت كرسي السفرة، كرهت منى أن مزقت ببجامتي ورائحة القماش الكستور لا تزال بها عالقة، تقصد جديدة. 

 

وبعد الهدوء النسبي خرجت من تحت السفرة وسألتني عن السبب، فقلت أصلي كنت واقف جون.. حارس مرمى خائب في العاشرة من عمره، دخل في مرماه عشرات الأهداف، وما نابني إلا الارتماء علي الأرض الآحق اقدام العيال مثلي.. 

 

ما علينا، تلك فذلكة تاريخيّة واجبة، لتؤكد عمق شغفي بمتابعة محمد صلاح.. سمعت عن موهبته، وبطبعي احترم الموهبة لأنها إنجاز الله الساطع المكثف خص به انسانًا، ليجعل الحياة أروع وأجمل وقابلة للعيش.. وهكذا اشتركت في المنصات وأخذت أتابع ذلك الفتي الجميل وهو يعزف بقدميه عزفا منفردا يراوغ ويسدد ويقطع المسافات، وحين تسكن الكرة شباك الخصم تعلو وجهه ابتسامة صافية رائقة عذبة.. 

 

ومع توالي الانتصارات وجدتني أتعلق بفرقة ليفربول بل وأحفظ أفرادها كلهم تقريبا، وبت أتابع المباريات بحماس وفرحة وكلما سدد صلاح هدفا هتفت كأني صبي صغير.. وتمضي السنون، ويتقدم العمر بمحمد، ويجئ أرني سلوت، وتتبدل أحوال الفتي الفرعون الملك، ويضيع من قدمه الطريق إلى الشباك.. ويعلو الحزن وجهه، وتعلو قلبي طبقات من الغيوم الداكنة زعلا من أجله..

 

يقولون السن يعطل سرعة بديهة القدمين، وأقول لا، إنما النفس الحساسة النقية الصافية تتأثر بمن حولها.. كان المدرب الألماني العظيم يورجن كلوب يحتضن الأولاد كأنه أبوهم، يشجعهم ويربت عليهم، حتي لو أخفقوا، وكانوا يقدرون موهبته في فنون التدريب، وكان مجددا، فلما انتهى تعاقده وترك الفرقة أخذها سلوت الهولندي جاهزة قوية.. 

فتفوقت في العام الأول من قيادته، ذلك كان بفضل الزيت المقدس لإرث يورجن كلوب، فلما جاء العام الثاني والثالث تفكك الفريق وتسلط المدرب الصفراوي علي الموهبة الساطعة.. 

 

محمد صلاح ابننا كلنا، ابن أربعمائة مليون عربي، ويعجب أولادي لحزني وفرحي حسب حالة صلاح، كأنني صرت رهينة ما يحدث له، فأرد واقول هو ابني، مثلكم، أشعر أنه نبع السعادة الصافي العذب لملايين البشر.. 

أمس خرج صلاح حزينا من آخر مباراة له ضد مانشستر سيتي، وتلقي ليفربول هزيمة كاسحة، أربعة مقابل صفر.. لا تحزن يا ولدي.. لا تحزن.. أعرف كيف تشعر، حذار أن تفقد ثقتك بموهبتك، بأخلاقك بحب الملايين، إنه حب الله، ولن يخذلك واهب المهارات هذه أبدا.. سوف تجد المكان الذي تتفجر فيه نفسك من جديد حماسا، واعلم أن قلوبنا كلها تدعو لك ولسوف يعطيك ربك فترضى..

الجريدة الرسمية