رئيس التحرير
عصام كامل

الحكومة حين تهرول ومواطنو الظل!

18 حجم الخط

بسرعة البرق استجابت الحكومة لضغوط ارتفاع سعر برميل النفط، فرفعت السعر على المواطنين بمقدار ثلاثة جنيهات دفعة واحدة.. السرعة الاستثنائية التى اتخذت بها الحكومة قرارات رفع أسعار المحروقات أحرقت دم الناس وجعلت صدورهم في كمد وفي غيظ، ومهما حاولت محطات تليفزيونية رسمية وشبه رسمية امتصاص الزعل العام، بل الغضب، بل الصدمة، فإن الناس يتعجبون لهرولة الحكومة نحو الرفع، ونكوصها الدائم عن الخفض.

 

الشعب المصري ظل يتابع أسعار بيع النفط، طيلة الشهور الماضية، وكانت الأسعار مستقرة، وتدور حول الرقم 60 دولارا للبرميل الواحد، علي مقياس خام برنت، المعمول به دوليا، ومع ذلك رفعت الحكومة أسعار البنزين، 80 و92، و95.. رغم أن صندوق النقد الدولي كان أعلن أنه لم يوص الحكومة المصرية برفع أسعار الطاقة، وأن القرار يرجع أساسا لحكومة الدكتور مدبولي.

وتحملنا وصبرنا واستوعبنا لطمة البنزين بدرجاته، وبخاصة إن الدكتور مدبولي رئيس مجلس الوزراء قال إنه لا رفع لأسعار الطاقة حتي أكتوبر 2026..

 

وبمجرد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على ايران، وما ترتب عليها من خنق مضيق هرمز على يد الحرس الثوري الإيراني، حتى قفزت أسعار النفط قفزة جنون، أذهلت حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لسرعة القفزة، وبلوغ تأثيرها العاجل الثقيل على جيوب المواطنين الأمريكيين. 

 

لقد هرولت الحكومة في مصر إلى رفع الأسعار في سحور ليلة الثلاثاء.. طوابير طويلة أمام وداخل محطات البنزين، حتى من قبل الإعلان الرسمي عن رفع سعر لتر البنزين بفئاته المتنوعة، ورفع سعر الغاز والسولار.. 

 

والمحزن أن الرفع جاء وسط بشائر خير أعلنت عنها الحكومة، لتحسين مستوى المعيشة، بزيادة محسوسة، فإذا بالزيادة تنقص من دخول هزيلة، وتلقي بالهموم فوق ظهور منحنية أصلا. 

 

كان على الحكومة أن تتريث، فقد بادر صانع الأزمة الأول في العالم المهووس النرجسي دونالد ترامب إلى التصريح بقرب إنهاء الحرب، فانخفضت الأسعار فورا ثم ارتفعت قليلا ثم انخفضت، ولا تزال تنخفض خصوصا مع إطلاق وكالة الطاقة الدولية لمخزون احتياطي يقدر ب 400 مليون برميل..

 

وصحيح جدا أن الحكومة أوضحت أن هذه الإجراءات مؤقتة، وأنها ستعود بالأسعار إلى ما قبل الحرب على إيران، لكن تاريخ هذه الحكومة وغيرها ليس فيه الرجوع إلى الماضي أبدا.. بل إن التاجر المصرى نفسه لا يرجع أبدا عن سعر سلعة رفعها بمزاجه، متحررا من أي مساءلة. 

 

بات المواطن المصري يعرف أن السلع في مصر ترتفع أسعارها ولا تنزل أبدا.. هل يمكن التعايش بكرامة مع هذه الأوضاع المزرية المهينة؟ هل تفيد تصريحات التبشير برفع الأجور يوم الأحد القادم رفعا حقيقيا محسوسا في تسكين الصدور؟ 

 

سبق القول أن الزيادات محسوسة، فإذا بها لا تصد ولا ترد أمام غول الأسعار، ثم هنالك نقطة جوهرية يبدو أن كل من يتحدث عن الحكومة ومن الحكومة يفوته أن 45 مليون مواطن مصري، هم عائلات أصحاب المعاشات، لا يزالون أحياء، وأنهم يمثلون نصف عدد السكان تقريبا، ومع ذلك فالزيادات للموظفين، ورفع الحد الأدنى للموظفين، أما من كانوا خدما للدولة وأنفقوا أعمارهم وأموالهم تحسبا ليوم مظلم كالذي نعيشه حاليا، فيبدو أنهم موتى لدى صاحب القرار.. 

نسبة الزيادة السنوية 15 %، لا تكفي، لأن المعاشات أساسا هزيلة ومهينة، ومن العيب جدا إهانة الناس في شيخوختهم ونهايات حيواتهم. كل موظف زائل إلى هذه الزاوية المظلمة فأضيئوا حياة الناس، وكفاكم عصرا في الشرايين.. لقد جفت وغاض الدم منها.. ارفعوا الحد الأدنى للمعاشات، وأكرموا مواطني الظل، الظاء لا الذال، في مصر.

الجريدة الرسمية