رئيس التحرير
عصام كامل

المواطن المصرى وكرة النيران الحارقة!

18 حجم الخط

لم يعد هناك فارق من أي نوع بين الهم الخارجي والهم الداخلي. كل هم وغم يحصل في أي مكان بالعالم يتداعى حتى يبلغ عتبات ونوافذ بيوتنا وجيوبنا، ويلقي بظلاله الثقيلة الداكنة السواد علي قلوبنا.. 

 

فما يحدث حولنا الآن من حرب جنونية بكل معني الكلمة، يجعلنا طرفا فيه بلا أي تردد، وإذ نحمد الله علي نعمة الحكمة والبصيرة، ونحمده علي فضيلة التريث والتحسب، فإن ما يجري وسوف يجري ينذر بالانفلات التام، بعبارة صريحة، ينذر بفوضى، تجعلنا مع سوء الحساب والتقدير ننزلق إلى ما لا تحمد عواقبه على الإطلاق. 

 

ضغوط دهماء المنظرين وجنرالات الفضاء الإلكتروني وكتاباتهم التحريضية ضد بعضنا البعض، هنا في مصر وهنالك علي خط النار في الخليج تدفع دفعا نحو موقف تجد نفسك واقفا في خندق واحد مع إسرائيل وأمريكا، في حرب لم تبدأها مصر ولا دول الخليج الشقيقات، بل هي في الصميم وفي الجوهر حرب إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة ويدفع ثمنها الأشقاء في الخليج وفي الأردن وفي لبنان وفي العراق. 

 

والحق أن مصر، وحين نقول مصر فالمعني المباشر ليس المكان فحسب بل الناس، الشعب، الطبقة الوسطى، تعيش في دائرة نيران لا تنطفيء أبدا منذ اليوم المشئوم في الخامس والعشرين من يناير في السنة السوداء 2011. 

 

كانت كرة النار في قلب الوطن، ونجحنا في إخمادها وإخماد من أشعلها، ولم نكد نلتقط الأنفاس حتي دخلنا في مرحلة دفع ثمن التخريب والإرهاب، ثم فواتير الإصلاح الاقتصادي، ثم داهمت كورونا العالم، ونحن منه، وعشنا الرعب والهلع والجزع أربع سنوات، وبعدها وفي فبراير أيضا، اندلعت حرب روسيا علي أوكرانيا، وما زالت مستمرة.. 

 

ثم يجي أكتوبر وحرب الإبادة، تشنها إسرائيل علي غزة، ردا على حماقة وعمى حماس، بتحريض إيراني، وما كدنا نلتقط الأنفاس والاقتصاد المصري يتحسن والحكومة تبشر الشعب بزيادات كبيرة حقيقية، تعويضا عن الآم الإصلاح وسنوات الصبر حتى وقعت، في فبراير أيضا، مصيبة بحجم جبال الكوكب، بدأتها إسرائيل وأمريكا ضد إيران. 

 

لا فرق إذن بين الخارج والداخل، ولعل الفارق الوحيد أن لهيب النار يلسع وجوهنا لكن النار ذاتها علي الأطراف، ونتمنى أن تظل كذلك ؛ ففي وسعنا أن نتحمل لسعات الصدى، ولا حروق القذائف. الحرب خسارة لكل أطرافها، وحتي المنتصر يخسر والفارق الوحيد هو حجم الخسائر. 

 

لقد بذلت دول الخليج ومصر وتركيا جهودا جبارة لمنع اشتعال النار بين إيران وواشنطن لكن اتفاق الحرب والضرب كان تم بالفعل، وتحدد موعد الإشعال في زيارة نتنياهو الأخيرة لأخطر رئيس دولة في القرن الواحد والعشرين، دونالد ترامب. 

 

ومنذ بدأت إيران تضرب الدول العربية الشقيقة بذريعة ضرب قواعد أمريكا لدي هذه الدول، ارتبك المشهد كله، فإيران لم تبدأ الحرب لكنها أعطت ذرائعها، تماما كما فعل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، اتبع سياسة حمقاء وقت الخطر الجلل، سياسة الغموض الاستراتيجي، خلق حالة عدم يقين بشأن النووى والكيماوي، فدفع العراق الثمن من كيانه وكرامته وثرواته! 

 

أعطت ايران إذن ذرائع ضربها، وحتي اللحظة التى قررت فيها ضرب الشقيقات العربيات كنا متعاطفين ورافضين لضرب إيران.. حتى إذا ضربت قطر والكويت والسعودية والإمارات والبحرين وسلطنة عمان والأردن، كان من الضروري اعادة تعريف المواقف.. 

 

فالمنطق، والمصالح وشريان الدم، وواجب الاخوة يلزمنا بدعم الأشقاء العرب، كما دعمونا في أهوال ومحن خانقة وقت محاولات الغرب لاسقاط الدولة المصرية بتحريض ومساعدة الاخوان والعملاء علي الوصول الي حكم البلاد.. 

 

المفارقة أن هذا الغرب ذاته يجرم الإخوان ويصنفهم ارهابيين! دعم الأشقاء العرب واجب وفريضة، ومن الحق أن الصبر الاستراتيجي الذي تمارسه دول الخليج بوجع مكتوم هو إدراك واع ذكي للمخطط الفخ. ليس عجبا القبض علي خلايا وجواسيس، داخل هذه الدول تعمل لحساب إسرائيل، لتوهم الأشقاء بتخريب إيراني. 

 

الفخ أن تفقد هذه الدول صبرها وتنزلق، وهو انزلاق كرامة وسيادة إلي الرد علي إيران، ومعها دول المنطقة الكبار، في حرب لصالح إسرائيل. في النتيجة سنجد أنفسنا جميعا جنودا لجيوش إسرائيل وأمريكا نحقق أهدافهما، ونتورط تورطا رفضته أوروبا ذاتها.. تلك هي المصيبة، وذلك هو التحسب، وذاك هو البصر والبصيرة.. لا تغيب هذه الرؤية قط عن صناع القرار في عواصم الاقليم الكبار، مصر والسعودية وتركيا. 

ذات يوم كتبت أن إسرائيل وإيران مشروعان توسعيان، وهما وجهان لعملة سوداء واحدة، فإذا النيران تشتعل علي صفحتي هجوما علي ودفاعا عن إيران التى ضربت عمق إسرائيل بآلاف الصواريخ في حرب يوليو العام الماضي.. مازلت أعتقد وأعتنق هذا الرأي.. تبقى قاعدة منطقية أخيرة، وهي أن القواعد الأجنبية في بلاد الغير مجلبة لنيران تحرقنا ولا تحرق أصحابها. جيش العرب هو وحده من يجب انشاؤه لحماية العرب..

الجريدة الرسمية