أعظم عطية
ليس دائمًا ما تكون أعظم عطية من الله هي الشيء الذي طلبه الإنسان بعينه. فكثيرًا ما يطلب الإنسان حلًا سريعًا، أو بابًا مفتوحًا، أو تغييرًا فوريًا للظروف. بينما يرى الله، بحكمته، أن العطية الأعمق ليست في تغيير الخارج، بل في تقوية الداخل، حتى يستطيع القلب أن يثبت ولا ينهار.
فالإنسان أحيانًا يصلي لكي تُرفع الضيقة، والله لا يرفعها في الحال، ليس لأنه لا يسمع، ولا لأنه يهمل، إنما لأنه يريد أن يعمل عملًا أكبر. يريد أن يعطي النفس احتمالًا، وصبرًا، وسلامًا، ونضجًا. وهنا تكون النعمة ليست في زوال التجربة، بل في المعونة التي تسند الإنسان وهو يعبرها.
وهكذا قال الرب لبولس الرسول: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ» (2 كو 12: 9). فالله لم يعطه فقط ما يريحه، بل أعطاه ما يقويه. وهذه في أحيان كثيرة تكون عطية أعظم، لأن الراحة قد تنتهي، أما القوة فتبني الإنسان من الداخل وتثبّت شخصيته الروحية.
وكثيرون اختبروا هذا الأمر في حياتهم. طلبوا أن تتغير الظروف، فبقيت كما هي مدة من الزمن. ولكنهم بعد ذلك اكتشفوا أن الله قد غيّرهم هم. أعطاهم احتمالًا لم يكن عندهم، وإيمانًا لم يعرفوه من قبل، وقدرة على المواجهة لم تكن في طبيعتهم. لذلك قال الكتاب أيضًا: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» (في 4: 13).
إن الله لا يترك أولاده في الضيق بلا سند. لذلك يطمئنهم قائلًا: «لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ... قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي» (إش 41: 10). وهو أيضًا «لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا» (مز 46: 1). لذلك فالمؤمن لا يعيش محمولًا على ظروفه، بل على نعمة الله العاملة فيه.
لذلك لا تظن أن الله قد تأخر عنك إن لم يعطك ما طلبته بالكيفية التي أردتها. ربما كان يعدّ لك عطية أعمق وأبقى. قد لا يعطيك دائمًا طريقًا سهلًا، لكنه يعطيك قلبًا أقوى. وقد لا يرفع الحمل سريعًا، لكنه يعطيك نعمة تحمله، حتى تخرج من التجربة أكثر عمقًا وثباتًا وقربًا منه.
