رئيس التحرير
عصام كامل

نور الله

18 حجم الخط

ليس كل ظلام علامة على النهاية. فكثيرًا ما يسمح الله للإنسان أن يمر بفترات تبدو فيها الأمور معتمة، لكي يكتشف نورًا آخر لم يكن يراه من قبل. لأن الإنسان في أيام الراحة قد ينشغل بالعطايا، أما في الضيق، فإنه يبدأ يبحث عن الله نفسه، لا عن شيء من يده.

 

والعجيب أن نور الله لا يزيد في ذاته، لأنه كامل لا يتغير، إنما الذي يتغير هو إحساس الإنسان به. ففي أوقات النجاح والاطمئنان، قد يعتمد الإنسان على الوسائل البشرية، فلا يلتفت كثيرًا إلى عمل الله. أما حين تتعطل الوسائل، وتسقط السندات الأرضية، يظهر بوضوح أن الرب وحده هو السند الحقيقي.

 

كثيرون عرفوا الله بعمق في أيام التعب أكثر مما عرفوه في أيام الفرح. ليس لأن الله يحب حزن أولاده، وإنما لأن الضيقة تكشف للإنسان ضعفه، فيصرخ من قلبه. وحينئذ يختبر معونة الله، وتعزيته، وعمله العجيب، فيشعر أن النور الإلهي قد دخل إلى قلبه بقوة لم يعرفها من قبل.

 

وهكذا تكون الظلمة أحيانًا فرصة روحية. فيها يتعلم الإنسان الصلاة بحرارة، والاتكال بصدق، والتسليم بلا شروط. وفيها أيضًا تنكشف له أمور كثيرة: ينكشف له ضعفه، وتنكشف له محبة الله، وتنكشف له قيمة النعمة. لذلك ليست كل ليلة مظلمة شرًا محضًا، فقد تحمل في داخلها بركات خفية.

 

ولكن هذا لا يعني أن الإنسان يحب الظلمة أو يطلبها، إنما إن جاءت، لا ينهار بسببها. بل يقول: لابد أن الله له عمل في هذه الفترة. فكما تلمع النجوم أكثر في الليل، كذلك تظهر تعزيات الله وسط الضيق بصورة أعمق. وكما أن الفجر يخرج من قلب العتمة، كذلك الرجاء يولد أحيانًا من قلب الألم.

لذلك إن أظلمت الدنيا أمامك، لا تظن أن الله قد ابتعد. ربما يكون قريبًا أكثر مما تتصور. وربما يكون النور الذي تبحث عنه في الطريق، لا في تغيّر الظروف فقط. ثق أن الله لا يترك أولاده في الظلمة، بل يعطيهم نورًا داخليًا، يقودهم، ويطمئنهم، ويثبتهم حتى تعبر أيام الليل بسلام.

الجريدة الرسمية