رئيس التحرير
عصام كامل

ترتيب مش عقاب

18 حجم الخط

كان فيه بنت اسمها سارة، طول الوقت حاسة إن حياتها واقفة. صحابها بيشتغلوا وبيتخطبوا وبيشتروا شقق، وهي لسه ما بين شغل مؤقت ومقابلات كتير من غير رد. كانت تسمع كلمة استني كتير، من أهلها، من الخدام، من كل الناس، لكنها من جواها مبقتش طايقة أي كلام عن الانتظار. كانت عايزة حاجة تحصل دلوقتي، أي حاجة تحسسها إن حياتها بتتحرك لقدام.

 

في مرة اتفتحت لها فرصة شغل براتب كويس مقارنة باللي قبله، بس في مكان بعيد جدًا، ودوامة صعبة، وبيطلب منها تسيب خدمتها وحياتها اللي اتعودت عليها. قلبها شدّها للعرض، مش علشان مرتاحة ليه، لكن علشان خايفة يروح منها ومفيش غيره. 

 

صلّت بسرعة كده في دماغها وقالت "يا رب افتح الباب"، من غير ما تاخد وقت تسأل: هو الباب ده أصلا ينفع يتفتح لحياتي ولا لا. في الآخر الشركة اعتذرت، وبعتوا لها رسالة رسمية إنها ماتمش اختيارها. اتكسرت جدًا. حست إن ربنا ضدها أو على الأقل سايبها معلقة.

 

بعدها بفترة قصّرت في الصلاة. بقت تفتح السوشيال، تبص على أخبار الناس، وتعدّ كم واحدة من صحابها اتخطبت وكم واحد سافر. كل صورة تشوفها تحس إنها متأخرة خطوة ورا الكل. مرة وهي في الكنيسة بعد القداس، فضلت قاعدة في دكة لوحدها والكنيسة فاضية تقريبًا. 

 

خادمة كبيرة عدّت عليها وشافتها سرحانة، قعدت جنبها وسألتها من غير لف: حاسّة إن ربنا مأخرك عن كل الناس؟ سارة اتفاجئت من السؤال، ودموعها نزلت من غير ما تلحق ترد. الخادمة قالت لها جملة فضلت ترن في ودنها: أوقات ربنا بيأخّر، مش علشان يعذبنا، بس علشان يحوش عننا اللي أقل مننا، ويدينا اللي يليق بينا.

 

الكلام ما غيّرش شعورها في لحظتها، بس حرك جوّاها تساؤل. رجعت البيت وبدأت تفتكر مواقف قديمة، زي لما كانت هتتخطب لحد لمجرد إنه مناسب على الورق، رغم إن قلبها مش مرتاح، وازاي الظروف اتعقدت من غير ما تفهم ساعتها، والموضوع باظ لوحده. 
ساعتها كانت شايفة إن ده تأخير ووجع، بس لما سمعت بعدين عن طبعه وسلوكياته، فهمت إن ربنا كان بيحوشها من حاجة كانت هتكسّرها لسنين. لأول مرة ربطت بين فكرة التأخير والحماية.

 

مرت الشهور، واتعرض عليها شغل تاني، بس المرة دي في مجال قريب من دراستها اللي بتحبها، وفي مكان مش بعيد، وفيه وقت يسمح بالخدمة. دخلت المقابلة وهي مختلفة؛ مكانتش رايحة تمسك في الفرصة كأنها آخر أمل، كانت رايحة وهي بتقول في قلبها: يا رب لو ده مناسب ليا في عينك، افتحه، ولو مش لصالحي اقفله من غير ما أزعل منك. 

اتقبلت، وبدأت في الشغل، واكتشفت بعد أسابيع إن المكان بيحترمها، وبيكبرها، وبيفتح قدامها أبواب تعلم جديدة مكانتش حتى بتحلم بيها وهي بتدور على أي حاجة وخلاص.

 

في نفس الوقت تقريبًا، دخل حياتها شخص عن طريق الخدمة، واحد مش داخل بسرعة ولا مستعجل على خطوة، لكنه بيصلي، وبيسأل، وبيحترم حدودها. كانت كل مرة تحط مخاوفها قدام ربنا وتفتكر العرسان اللي قبله، اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيهم وهي مش مرتاحة. حست إن ربنا مش بس بيدّي بديل، لكنه بيدي حاجة على مقاس قلبها وكرامتها، مش بس على مقاس استعجالها.

 

سارة في ليلة هادية مسكت ورقة وكتبت فيها جملة بسيطة: يمكن ربنا مأخرني مش علشان يحرجني قدام الناس، لكن علشان يحميني من اختيارات كنت هوافق عليها بس علشان أخلّص، ويديني في وقته هو اللي يليق بيا في نظره، مش في نظر استعجالي. 

 

حطت الورقة في الإنجيل، وكل ما ييجي عليها وقت تشعر فيه إنها متأخرة، تفتحها وتفتكر. بدأت تسأل نفسها سؤال مختلف: بدل ما تقول ليه يا رب مأخرني؟ بقت تسأل: يا رب إيه اللي بتحوشه عني؟ وإيه اللي بتجهزه ليا؟.

يمكن أنت كمان عندك حتة في حياتك حاسس فيها إنك متأخر عن الكل. لو وقفت قدام نفسك بصدق، هتلاقي مواقف كان ممكن تمشي فيها مع اللي لقيته قدامك وخلاص، لكن ربنا قفل الباب في آخر لحظة. تحب تفضّل تبص للتأخير كعقاب، ولا تبدأ تشوفه كحماية وترتيب للي يليق بقلبك فعلًا؟
للمتابعة على الفيس بوك: 

https://www.facebook.com/Dr.PaulaW

الجريدة الرسمية