رئيس التحرير
عصام كامل

حديث قلب

رفعت المحجوب.. الدمياطي الكريم!

18 حجم الخط

تندر المصريون ببخل الدمايطة، وحرصهم الشديد علي المال! فيحكي أن دمياطيا مر علي محل فاكهة لشراء هدية لصديقه المريض بالمستشفي، ولما سأل الفكهاني عن أحلي فاكهة عنده، فأجاب المانجو وسعرها 120 جنيها للكيلو، فرد عليه (المريض مش عيان اوي كده.. هات كيلو عنب أخضر ببذره أفيد)! وسألوا دمياطي: مين صحابك؟ رد: صحابي اللي علي القهوة بس، بمعني البيت والعزومات خط أحمر!


ولذلك فالموروث الشعبي المصري غني بالحكايات والأمثال التي تتندر ببخل الدمايطة وحرصهم الشديد علي إنفاق المال وقلة ضيافتهم علي غرار: (تتعشي ولا تنام خفيف) عندما يسألون ضيفهم!
علما بأنني صادفت العديد من أصدقائي الدمايطة الكرماء جدا أمثال: المحافظ يسري الشامي، والوزير حسب الله الكفراوي، والصحفي صلاح منتصر، والصحفية هادية الشربيني، والدكتور رفعت المحجوب، الذي قابلته مرة واحدة في حياتي، وهذه تفاصيلها:


في أواخر الثمانينات سافرت إلي بغداد تلبية لدعوة وزير الاوقاف والشئون الاسلامية العراقي عبدالله فاضل، وما أن وصلت ظهرا إلي فندق الرشيد أفخم فنادق بغداد حتي رأيت زميلي جلال السيد مدير تحرير الأخبار، وسامي متولي من الأهرام، وعدد محدود من أعضاء مجلس الشعب، يتوسطهم كبيرهم الدكتور رفعت المحجوب، في بهو الفندق.. 

فسارعت بالسلام عليهم، وقدمني جلال السيد إلي الدكتور رفعت المحجوب فرحب بي ووجه لي انذارا: روح استلم غرفتك وامامك 15 دقيقة فقط لا أكثر حتي تتناول الغداء معنا.. منتظرينك.. لا تتأخر!


علي مائدة الدكتور رفعت المحجوب سألني بحميمية عن أخبار رحلتي من القاهرة، وكذلك بعض الاستفسارات الحياتية، وبعد الانتهاء من الغداء أخرج من بين عدة دولارات في جيبه ورقة من فئة ال 20 دولارا "بقشيش" للسفرجية من خدم سفرتنا، وهو رقم كبير وقتها في ظل إنتشار السوق السوداء للعملة وقت الحرب العراقية الايرانية.. 

وكان (رحمه الله) يكرر نفس البقشيش كل يوم علي العشاء، حيث دعاني بكرم أبوي شديد أن اتناول العشاء معهم كل ليلة حتي مغادرتهم الفندق وبغداد إلي القاهرة، واستكملت أنا باقي الأسبوع ما بين الفندق ومدن العراق والعتبات المقدسة لاستكمال مهمتي الصحفية. 


وحتي أستكمل باقي جوانب شخصية الدكتور رفعت المحجوب شهيد الوطن، لم أجد خيرا من إبنه البار الدكتور أيمن رفعت المحجوب (أستاذ الاقتصاد السياسي والمالية العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة) ليحكي عنها:


بعد أن حصل رفعت المحجوب على الدكتوراه من باريس عمل مدرس بكلية الحقوق جامعة القاهرة، تزوج وأنجب أربعة أطفال، وعاش فى منطقة العجوزة فى شقة ايجار مكونة من غرفتين بالقرب من وزارة الزراعة لأكثر من عشرين عام.
 

وظل يعد أمي (رحمه الله عليها) أنه سوف يشتري لنا شقة أكبر تتسع للبنات والولد (أي أنا) حيث إن لى ثلاث إخوات إناث. وبالفعل إنضم أبي عام 1964 إلى جمعية أنشأها المهندس على رأفت أستاذ العمارة الشهير بكلية الهندسة جامعة القاهرة وصديق المحجوب من الجامعة، وحجز لأبي وحدة هناك بسعر أربعة آلاف جنية مصري( 4 الف جنيه) تسدد على عشر سنوات (وهو مبلغ كبير فى ذلك الوقت).


حيث أتذكر أن والدي كان يحكي لنا أنه عندما أخبر جدي السيد المحجوب (مفتش أول اللغة العربية ووكيل وزارة المعارف فى الخمسينات)، بموضوع حجز الشقة، قال له جدي: يبدو أنك أسرفت كثيرا يا رفعت، بهذا المبلغ كان يمكنك أن تشتري أرض وتقيم عمارة لأسرتك وليس شقة. 
إلا أن أبي قال له: هي بالتقسيط وتطل على النيل وفى مكان قريب من الجامعة، وهو ما سوف ييسر علي عناء الانتقال كل يوم من المنزل إلى العمل، وبالفعل حجز الشقة.
 

وسافرنا مع أبي إلى بيروت (لبنان) ليعمل أستاذ فى جامعة بيروت العربية والتي ساهم فى تأسيسها معه الكثير من أساتذة كلياتها على رأسهم الراحل كامل ليلة (رئيس مجلس الشعب الأسبق) والراحل عاطف صدقي (رئيس مجلس الوزراء الأسبق) وآخرين من علماء وكبار أساتذة كلية التجارة والحقوق من كل جامعات مصر، كما هو الحال فى أغلب الدول العربية، والتي أسسها أساتذة جامعات مصر، أم الدنيا، في الفترة من 1967 وحتى أوائل السبعينات.


بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، رجع إلى مصر أغلب اساتذة الجامعات فى الخارج وكان أبي أولهم. وإستمر الحال بعد عودتنا إلى مصر، ونحن فى تلك الشقة الصغيرة لتأخر إنتهاء البناء وإرتفع سعرها إلى سبعة آلاف جنية مصري ( 7000 جم)، وشكر أبي الله لأنه كان قد جمع مبلغ معقول من العمل فى جامعة بيروت لكي يكمل ثمن شقة أحلام الأسرة.


وإنتخب المحجوب عميدًا لكلية الإقتصاد عام 1970، ثم وزيرًا عام 1972، ثم نائب رئيس مجلس الوزراء والأمين الأول للإتحاد الإشتراكي العربي عام 1975. ونحن نكبر فى تلك الشقة التي نشأنا جميعا بها، وذلك لتأخر استلامها كما ذكرت من قبل لظروف تغير السعر والتراخيص.


وفي منتصف عام 1976 أبلغنا أبي أن الشقة على وشك الانتهاء ويمكن أن ننتقل إلى هناك خلال شهر أو اثنين. وبالفعل وقبل أحداث 17 و18 يناير 1977 كنا في البيت الجديد، وكان أبي قد عاد ليعمل أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وفتح مكتب استشارات قانونية هو والدكتور ذكي الشافعي (أول عميد لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة) والدكتورة عائشة راتب (وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة).


وتقع الشقة فى عمارة جميلة تتكون من ثلاثين طابق عنوانها شارع النيل ناصية شارع ابراهيم عبد الهادى، وتطل على النيل مباشرة، وإسمها عمارة النصر (تيمنًا بنصر أكتوبر المجيد) بجوار منزل الرئيس الراحل أنور السادات.
 

ومرت الأيام وأصبحت تلك العمارة من أشهر عمارت مصر حيث كان يسكن بها أولاد الرئيس الراحل أنور السادات، وكثير من السفراء العرب والأجانب والمصريين ووزراء وأساتذة الجامعات وبعض رجال الأعمال والأطباء المشاهير، وعرفت بعمارة "سويس اير" حيث كان أسفلها مطعم سويسري، وكان يقال إن الفنان الشهير حسين فهمي شريك فى هذا المطعم الجميل.. 

 

وتمر الأيام ثم في عام 1982، يعاد إنتخاب المحجوب عميد لكلية الإقتصاد والعلوم السياسية مرة ثانية ويشرف على المؤتمر الاقتصادي الأول (في بداية فترة حكم الرئيس الراحل مبارك)، وبعدها يتم تعينه مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية، وأخيرا وفي عام 1984 أصبح رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب والرجل الثاني في مصر. 

بعد أشهر قليلة سرعان ما تقدم له أحد المسؤولين الكبار في محافظة الجيزة وعرض علي المحجوب مشروع قرار بتغيير إسم الشارع الذي به مسكن المحجوب من "شارع إبراهيم عبد الهادي" إلى شارع "رفعت المحجوب" فإنزعج المحجوب وقال: ما هذا الهراء، أتعلم من هو إبراهيم باشا عبد الهادي المليجي؟ 

فتعجب المسؤول لمعرفة المحجوب إسم الرجل بالكامل وقال: لا والله، فقط أعرف انه كان باشا من أيام الملك فاروق، فأجاب المحجوب: إبراهيم باشا عبد الهادي هو من بلدي الزرقا بمحافظة دمياط، 
وهو كان رجل وفدي قديم وكان عضو فى ثورة 1919، وأصبح بعدها رئيس الديوان الملكي، ثم بعد اغتيال النقراشي باشا قام بتشكيل الوزراء عام 1948.. 

وقد توفي من ثلاث سنوات، وأنا حضرت الجنازة والعزاء، وهو إبن محافظتي، ولا يجوز أن نتعامل مع الأمور بتلك النظرة السطحية، للوطن تاريخ ولا يجوز أن نسقط منه أجزاء على حساب أشخاص لصالح أشخاص، إبراهيم باشا عبد الهادي جزء من تاريخ مصر قبل ثورة يوليو 1952، تتفق أو تختلف معه عيب علينا أن ننسي تاريخنا، ويجدر بنا أن نوقر رموز مصر، إلا الفاسدين منهم.. أنا لا أريد شارع باسمي، إنما تذكر الناس لاعمالها وإنجازاتها، لا بأسماء الشوارع.

الجريدة الرسمية