يدان كالصليب (2)
مضت السنوات وتحوّل الكهف إلى مدرسة صمت لا تعلّمك الكلام بل تعلّمك أن تزن كل كلمة، عاش بولا أكثر من ثمانين عامًا في قلب الصحراء لم يرَ فيها وجه إنسان، يبيت في كهف منقور وإلى جانبه بعض النخيل يقتات بثمره ويرتدي برداء الليف الذي يجمعه منه.
كانت حياته قاسية في ظاهرها لكنها مستقرة في داخلها. برد الشتاء وحر الصيف ووحدة طويلة لكن الاتكال كان يغطيه. لم تؤثر الوحشة والوحدة على حلاوة شمائله وجلال شخصيته وطلاوة حديثه، لأن الوحدة عنده لم تكن فراغًا بل امتلاء. لم تكن هروبًا من الناس بل التصاقًا بالواحد.
وفي أيام أبينا أثناسيوس الرسولي صار جدال بين رهبان مصر واليونانيين. من هو أول المنفردين. قال قوم إيليا النبي. وقال آخرون يوحنا بن زكريا. لكن السؤال كان عن الزمن الحاضر. من هو أول من سكن البرية في جيلنا. وذُكر أن القديس أنطونيوس خرج من مدينته وبنى له موضعًا صغيرًا وأقام منفردًا وخطر له أنه أول من سكن البرية.
وفي تلك اللحظة أتاه صوت من السماء يحمل تصحيحًا لطيفًا وحاسمًا. هوذا واحد يسكن البرية وهو مختار بالأكثر وهذا العالم كله لا يستحق موطئ قدمه الواحد ولأجله يبارك الله الأرض وتعطي ثمرتها.
لم يناقش أنطونيوس الصوت. آمن ومضى بقوة الروح القدس داخل الجبل نحو المشرق. سار في صحراء ليست سهلة على جسد إنسان. وعند غروب الشمس رأى أثر إنسان. تتبع الأثر كمن يتبع دعوة لا مجرّد علامة. حتى وقف على مغارة الشيخ الطوباوي. سمع من الداخل صوت الترتيل ينساب في الظلمة كأنه نور.
كان القديس بولا يرتل المزمور ويقول أعترف لك يا رب. لم يطرق أنطونيوس الباب كما يفعل الناس. أخذ حجرًا ودق به حجرًا آخر. فلما سمع بولا ذلك أسرع ودحرج حجرًا كبيرًا خلف باب المغارة من الداخل. لم يكن ذلك قسوة بل حراسة للهدوء الذي عاش عمره يصونه.
وقف أنطونيوس أمام الحجر وقال كلمات الإنجيل التي خرجت هذه المرة من فم ناسك عطشان إلى لقاء الله في إنسان قديس. طلبت فأعطيت لي سألت فوجدت قرعت ففتح لي. فتح له القديس وأدخله. تقابلا كأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل رغم أن أحدهما لم يرَ وجهًا منذ عشرات السنين.
قبلا بعضهما بعضًا وصليا. ثم قال بولا كلمة تحمل دهشة الحكيم. إن كنت لا تعرف اسمي فلماذا تتعب نفسك للسير في هذه البرية. في تلك اللحظة اغتبط أنطونيوس وقال طوبى لي إذ استحققت أن أبصر بولس الثاني. لم يقصد أنه نسخة بل أنه شاهد حي لقداسة لا تُرى عادة.
سأله أنطونيوس عن الإسكيم هل يكثر على الأرض أم لا. ابتسم بولا ثم تنهد. وقال هذه الجبال تعمر مثل أبراج الحمام ويجمع الله مختاريه من كل موضع. ثم حذر من جيل سيأتي لا يسمع وغير مطيع يتركون التعبد وينزلون إلى أسفل. كان تحذيره يخرج من قلب رأى كيف يبدأ الانحدار. يبدأ حين يستهين الإنسان بصوته الداخلي. حين يترك ما يبنيه في الخفاء بحثًا عن ما يلمع في العلن.
وبينما هما يتحدثان جاء غراب وفمه فيه خبزة طرحها لهما. نظر بولا إلى الغراب كمن يرى صديقًا قديمًا. وقال الآن علمت أنك من جند المسيح لأن لي في هذا اليوم ثمانون سنة في كل يوم آخذ نصف خبزة من الغراب فلما جئت أنت أرسل المسيح هذا الرغيف لسد حاجة الجسد.
كانت الخبزة علامة عناية مستمرة لا تنقطع. الله يرعى من اختاره في البرية كما يرعى من يمشي في المدينة. لكن الفرق أن ناسك البرية يرى العناية بلا ضوضاء. يرى الخبز وهو نازل من فم غراب.
ثم قال بولا لأنطونيوس قم امضِ إلى مسكنك والحلة التي ألبسها لك أثناسيوس الرسولي البطريرك أحضرها لتكفن بها جسدي. تعجب أنطونيوس لكنه آمن بكلمات النبوة. أسرع ليحضر الحلة. وفي الطريق رأى جماعة ملائكة يسبحون ويقولون السلام للقائك بالقديسين يا بولا رجل الله تتهلل الملائكة معك. عندئذ قال أنطونيوس هذه روح أبي القديس بولا تصعد إلى السموات. لم يحتج إلى خبر آخر. فهم أن اللقاء كان وداعًا.
عاد أنطونيوس إلى المغارة. دخلها فوجد القديس بولا ساجدًا على ركبتيه ووجهه إلى الأرض ويداه مبسوطتان كالصليب. ظنه حيًا لأنه كان في هيئة صلاة. انتظر قليلًا ثم طال الصمت ولم يسمع صوتًا فعلم أنه قد تنيح.
كان المشهد بسيطًا لكنه يختصر حياته كلها. جسد ثابت في السجود وقلب سبق إلى السماء. رجل عاش لله وحده ومات وهو في وضع العبادة كأن آخر ما أراد أن يفعله على الأرض أن يسلّم نفسه وهو يصلي.
لو لم يزر أنطونيوس بولا في تلك اللحظات الأخيرة لانطوى خبر القديس مع الزمن ولم يعرف عنه أحد شيئًا. لكن الله دبر الزيارة لكي لا تضيع شهادة هذا الطريق. وكأن السماء تقول لك إن حياة الخفاء ليست ضياعًا. حتى لو لم يكتب أحد اسمك على الأرض ستبقى معروفًا للسماء. وكأن القصة كلها تضع أمامك سؤالًا واحدًا لا يهرب منه أحد.
أين يقف قلبك الآن. على باب الحاكم أم أمام جنازة تعلّمك الحقيقة. ما الذي تتشاجر عليه في بيتك ويأخذ من روحك أكثر مما يستحق. هل تقدر أن تقول مثل بولا كفى هذا ولن أعود أتكلم في مال هذا العالم حين تكتشف أن قلبك يذبل. وهل لديك شجاعة خطوة أولى نحو الشرق. ليس شرق الجغرافيا بل شرق القرار. قرار أن تخرج من دائرة الخصومة إلى دائرة الصلاة. قرار أن تكتفي بعين ماء ونخلة أي بما يكفيك لتعيش وتفرغ قلبك لما يبقى.
اختبر نفسك اليوم بسؤال واحد. لو وقفت أمام جسد محمول إلى قبره ماذا سيتبقى من خلافاتك. ثم خذ خطوة واحدة صغيرة نحو ما يثبّت قلبك. كلمة صلاة صادقة. تنازل عن حق جدال لا يبني. ترتيب جديد لأولوياتك. لأن حياة القديس بولا بدأت من لحظة رأى فيها النهاية بعينيه فتغيّر الطريق كله.
