ذكرى انتفاضة يناير 1977!
انتفاضة الثامن عشر والتاسع عشر من يناير ١٩٧٧ لم تكن ــ كما حاولت السلطة آنذاك أن تصمها ــ انتفاضة حرامية، بل كانت واحدة من أنقى وأصدق لحظات الغضب الشعبي في التاريخ المصري الحديث، لحظة انفجر فيها التناقض بين مشروع وطني اجتماعي تشكل بعد ثورة يوليو، وبين انقلاب كامل على هذا المشروع جرى تحت شعارات زائفة عن السلام والانفتاح والرخاء.
كانت انتفاضة الخبز صرخة شعب جرى تجريده تدريجيًا من حقه في الحياة الكريمة، وتحويله من شريك في مشروع وطني جامع إلى ضحية لسياسات تبعية طبقية لم تعرف سوى القسوة والاستخفاف بالإنسان.
بعد ثورة يوليو 1952، شهدت مصر ــ رغم كل ما أحاط بالتجربة من أخطاء ونواقص ــ تحولًا اجتماعيًا واقتصاديًا غير مسبوق في تاريخها الحديث. انحازت الدولة للفقراء والكادحين، جرى تفكيك الإقطاع، وتم تمكين ملايين المصريين من التعليم المجاني، والرعاية الصحية، والعمل في قطاع عام وطني كان هدفه التنمية لا الربح.
كان الخبز مدعومًا، والسكن حقًا، والعمل شرفًا، وكانت الدولة ــ لأول مرة ــ ترى في الجماهير مصدر شرعيتها وقوتها. لم يكن المشروع الناصري مجرد سياسات اقتصادية، بل كان تصورًا اجتماعيًا شاملًا، يعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع على أساس العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني.
لكن هزيمة يونيو 1967 وما تلاها من رحيل الزعيم جمال عبد الناصر فتحت الباب لانقلاب تدريجي على هذا المسار. جاء أنور السادات رافعًا شعارات دولة العلم والإيمان والانفتاح الاقتصادي، لكن ما جرى على أرض الواقع لم يكن سوى تفكيك منظم لمكتسبات يوليو، واستبدالها بنموذج تابع مشوه، يفتح الأبواب أمام رأس المال الطفيلي، ويقضي على القطاع العام، ويحول الدولة من راعٍ اجتماعي إلى جابي ضرائب وحارس لمصالح قلة صغيرة.
سياسة الانفتاح السداح مداح -كما أطلق عليها الكاتب الصحفي الكبير أحمد بهاء الدين- لم تكن انفتاحًا على التنمية أو التصنيع أو العدالة، بل كانت انفتاحًا على الاستيراد الاستهلاكي، والعمولات، والسمسرة، وخلق طبقة جديدة من الأثرياء الجدد الذين راكموا الثروة بلا إنتاج، بينما تدهورت أوضاع العمال والفلاحين والموظفين.
جرى رفع الغطاء الاجتماعي عن الفقراء تدريجيًا، وتآكلت الأجور بفعل التضخم، واتسعت الفجوة الطبقية بشكل فج، في وقت كانت فيه الدولة تقنع نفسها ــ أو تقنع الخارج ــ بأنها تسير في طريق الإصلاح.
في هذا السياق جاءت قرارات يناير 1977 برفع الدعم عن السلع الأساسية، تنفيذًا لوصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكأن الخبز ــالرمز الأوضح للعدالة الاجتماعيةــ تحول إلى بند حسابي في دفاتر التبعية.
لم يكن رفع أسعار الخبز والسكر والأرز مجرد قرار اقتصادي، بل كان إعلان حرب على الفقراء. وهنا انفجر الشارع المصري، ليس بتحريض الحرامية، بل بدافع الغريزة الإنسانية للبقاء، وبوعي جمعي أدرك أن ما ينتزع منه هو آخر خطوط الدفاع عن الحياة.
خرجت الجماهير في القاهرة والإسكندرية والمحلة والسويس وحلوان وأسيوط وغيرها، عمالًا وطلابًا وموظفين، يهتفون ضد الغلاء، وضد السادات نفسه، وضد سياسات الانفتاح. كانت الهتافات سياسية بامتياز، تعكس إدراكًا عميقًا بأن الأزمة ليست أزمة خبز فقط، بل أزمة نظام اختار أن ينحاز للخارج وللأغنياء على حساب شعبه.
ولأن السلطة لم تكن تحتمل هذا الوعي، لجأت إلى التشويه والقمع، وأطلق السادات توصيفه المهين انتفاضة الحرامية، في محاولة لنزع الشرعية الأخلاقية عن حركة شعبية أصيلة.
لكن التاريخ لا يكتب ببيانات السلطة، بل بذاكرة الشعوب. وانتفاضة يناير ستظل شاهدًا على أن الفقراء حين يدفعون إلى الحائط، يصبحون قوة تاريخية لا يمكن كسرها بسهولة. اضطر النظام للتراجع عن قراراته خلال ٤٨ ساعة، في اعتراف ضمني بقوة الشارع، وبأن الخبز ليس سلعة، بل حق. غير أن التراجع التكتيكي لم يعنِ تراجعًا استراتيجيًا عن مسار التبعية، بل استكملت السياسات نفسها بأدوات أكثر حذرًا، وصولًا إلى ما نعيشه اليوم من أزمات ممتدة.
من منظور علم الاجتماع السياسي، تكشف انتفاضة يناير 1977 عن قانون اجتماعي ثابت، حين تفقد الدولة وظيفتها الاجتماعية، وتتحول إلى أداة لخدمة رأس المال والطرف الخارجي، فإن الانفجار يصبح حتميًا. كما تكشف أن كرامة الخبز جزء لا يتجزأ من كرامة الوطن، وأن أي مشروع تنموي لا ينحاز للفقراء هو مشروع بلا مستقبل.
لم تكن يناير 1977 صفحة من الماضي، بل تحذيرًا مبكرًا مما يحدث حين يغتال مشروع وطني جامع، ويستبدل بمنطق السوق المتوحش والتبعية السياسية.
رحم الله جمال عبد الناصر وثورة يوليو بما لها وما عليها، ورحم وعي الجماهير الذي تجلى في يناير 1977، ولتسقط إلى الأبد أسطورة أن الفقراء حرامية حين يطالبون بحقهم في الحياة. كانت انتفاضة الخبز لحظة صدق كاشفة، وستظل علامة فارقة في الصراع الاجتماعي المصري، ما دام الخبز عنوانًا للعدالة، وما دام الفقراء هم قلب هذا الوطن، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
