رئيس التحرير
عصام كامل

جنوب اليمن بين وهم الشرعية وسلطة الأمر الواقع!

18 حجم الخط

لا يمكن فهم الأزمة في جنوب اليمن بوصفها صراعًا محليًا معزولًا عن سياقاته العربية والإقليمية، بل هي تعبير صارخ عن تفكك الدولة الوطنية العربية تحت ضغط التدخل الخارجي، وانهيار العقد الاجتماعي، وصعود الكيانات ما دون الدولة. 

فاليمن الذي كان يومًا أحد أعمدة الأمن القومي العربي على مدخل البحر الأحمر وباب المندب، تحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بينما يدفع الشعب -شمالًا وجنوبًا- ثمنًا باهظًا من وحدته وكرامته ومستقبله.

فمنذ الإطاحة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، جرى إنتاج ما يسمى بـ  مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، باعتباره البديل الشرعي المعترف به دوليًا، غير أن هذه الشرعية، إذا ما نظر إليها من منظور علم الاجتماع السياسي، هي شرعية خارجية بلا قاعدة اجتماعية حقيقية..

فالحكومة التي يفترض أنها تمثل الدولة اليمنية لا تملك سيطرة فعلية على الأرض، ولا أدوات سيادية، ولا مشروعًا وطنيًا جامعًا، بل تحولت إلى مظلة هشة لتوازنات إقليمية تقودها المملكة العربية السعودية.

والسعودية بوصفها الداعم الإقليمي الأبرز لما يسمى بالشرعية، لا تنطلق من رؤية لبناء دولة يمنية قوية موحدة، بقدر ما تتحرك وفق منطق إدارة الصراع لا حسمه، خشية تمدد الحوثي من جهة، وخشية انفلات الجنوب خارج السيطرة من جهة أخرى..

أما الغرب فتعاطيه مع الشرعية لا يتجاوز حدود الاعتراف القانوني، باعتبارها العنوان الرسمي الوحيد القابل للتوقيع والتفاوض، حتى لو كان هذا العنوان بلا مضمون فعلي، فالغرب الذي أحدث هذه الفوضى من مصلحته بقاء الوضع على ما هو عليه.

وفي المقابل برز المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة سياسية وعسكرية تفرض نفسها على الواقع في عدن وعدد من محافظات الجنوب، المجلس الذي تأسس عام 2017، يقوده عيدروس الزبيدي، ويرفع شعار استعادة دولة الجنوب، ومن الناحية السوسيولوجية، يمثل الانتقالي نتاجًا مباشرًا لتراكم مظالم الجنوب منذ حرب 1994، حين فرضت الوحدة بالقوة، وتحولت من مشروع قومي تحرري إلى وحدة هيمنة وإلحاق.

 

ويحظى المجلس الانتقالي بدعم واضح من دولة الإمارات العربية المتحدة، دعم لا يمكن فصله عن المصالح الاستراتيجية في الموانئ وخطوط الملاحة ومكافحة تيارات الإسلام السياسي، والإمارات هنا لا تدعم الجنوب حبًا في تقرير المصير، بل انطلاقًا من منطق النفوذ الوظيفي، قوى محلية تؤمن المصالح مقابل الحماية والدعم..

ولهذا ورغم السيطرة الميدانية للانتقالي، لا يحظى بأي اعتراف دولي رسمي، لأن القوى الكبرى لا تزال تفضل الإبقاء على شكل الدولة الموحدة، ولو كانت دولة فاشلة، حتى لا تأتي قوى وطنية تتمكن من تحقيق وحدة، وبناء دولة مستقلة مناهضة للمشروع الغربي.

 

أما الجنوبيون أنفسهم، فليسوا كتلة صماء كما يروج، لكن الثابت سوسيولوجيًا أن الأغلبية الشعبية في الجنوب باتت تميل بوضوح نحو فك الارتباط، ليس بدافع نزعة انفصالية مجردة، بل كرد فعل على تجربة وحدة فاشلة، وعلى فساد الشرعية، وعلى عجز الدولة المركزية عن تحقيق الحد الأدنى من العدالة والمواطنة المتساوية..

غير أن هذا المزاج الشعبي لا يعني بالضرورة تفويضًا مطلقًا للمجلس الانتقالي، الذي ينظر إليه -في كثير من الأوساط- كأداة مرحلية لا كممثل تاريخي شامل لقضية الجنوب، خاصة في ظل علمهم بتبعيته للخارج.

 

وفي شمال اليمن، يقف الحوثي لاعبًا لا يمكن تجاهله، يرفع شعار وحدة اليمن في خطاب أيديولوجي يوظفها لخدمة مشروع سلطوي مذهبي ضيق، عمليًا يستفيد الحوثي من الصراع بين الشرعية والانتقالي، ومن حالة التشظي في الجنوب، دون أن يدخل في مواجهة شاملة هناك.. 

فكلما ضعف خصومه، طال عمر سلطته في صنعاء، وبدعم إيراني سياسي وعسكري، تحول الحوثي إلى أداة إقليمية تستخدم في معادلات الضغط والتفاوض، بعيدًا عن أي مشروع وطني جامع.

ومن منظور قومي عربي، فإن ما يجري في جنوب اليمن ليس صراعًا بين وحدة وانفصال فحسب، بل هو أزمة مشروع، وأزمة غياب الدولة الوطنية المستقلة، وأزمة تحول القرار العربي إلى رهينة الخارج، الوحدة القسرية لا تصنع وطنًا، والانفصال المدعوم خارجيًا لا يصنع تحريرًا.. 

وحده مشروع وطني ديمقراطي، مستقل الإرادة، اجتماعي العدالة، هو القادر على إنقاذ اليمن -شماله وجنوبه- من التفكك، وإعادته إلى موقعه الطبيعي في قلب الأمة العربية، لا في هوامش الخرائط التي يرسمها الآخرون، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية