التوازن المفقود.. اختفاء الطبقة الوسطي أصاب المجتمع بخلل عنيف.. المظلومية والإحباط والعدوانية أعراض نفسية طبيعية للطبقات المعدمة
اتساع الفجوة بين المصريين ليس مجرد اختلاف في مستوى الدخل أو نمط المعيشة، بل تحولت إلى عالمين متوازيين، يطلق عليهما بلغة "الفيسبوكية" "عالم مصر" التي يسكنها الفقراء والغلابة، ويمثل أكثر من 30 مليون مواطن – وفق التقارير الرسمية – حيث يصارعون يوميًا من أجل لقمة العيش، وعالم آخر يعرفونه بـ "عالم إيجيبت"، حيث الكومباوندات الفاخرة، والملابس البراندات، وأنماط حياة تُعرض على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وبين هذين العالمين تفاصيل نفسية واجتماعية معقدة، ومخاطر تهدد بالاحتقان الاجتماعي، ومحاولات البحث عن توازن مفقود، قبل أن تتحول الفجوة إلى شرخ يصعب علاجه، وهو ما يحاول الخبراء رصد ملامحه للتعرف على تداعيات وتأثيرات هذه الحالة الطبقية على المجتمع ككل.
الطبقة الوسطى في مصر على وشك الانقراض
يؤكد ماهر الصبغ أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية، أن المجتمع المصري يشهد تغيرات كبيرة في بنيته الطبقية، حيث تكاد الطبقة الوسطى تختفي تدريجيًا، بينما تزداد الطبقة العليا ظهورًا وثراءً بصورة غير مسبوقة، في حين أصبحت الطبقة الأدنى تعاني من صعوبات بالغة في تلبية احتياجاتها الأساسية.
وأوضح الصبغ أن هذه التغيرات تتأثر بشكل مباشر بأسلوب الحياة الحديث، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإعلانات، والتلفزيون، التي تبرز الفجوة بين الطبقات بصورة كبيرة، قائلًا: "كل شكل خارجي يراه المواطن البسيط يوصل له صورة الفارق الفظيع بين طبقات المجتمع، مما يولد شعورًا بالمرارة والغضب تجاه الطبقة العليا".
العدوانية تجاه الطبقة العليا تتصاعد
وأضاف أن هذه المشاعر ليست مجرد حسد، بل تشمل شعورًا بالظلم والشكوك حول كيفية حصول هذه الطبقة على ثروتها ومكانتها، معتبرًا أن بعض أفراد الطبقة الدنيا يعتقدون أن هذه المكاسب تحققت بوسائل غير مشروعة، مما يولد عدوانية مكبوتة ومشاعر سلبية تجاه الأغنياء.
وأشار أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية، إلى أن الطبقة العليا أصبحت أكثر ظهورًا ووضوحًا في المجتمع، سواء عبر الإعلانات أو وسائل الإعلام، أو حتى في الحديث الرسمي، وأوضح: "حتى الرئيس السيسي تناول في تصريحات عديدة المبالغة في أسلوب حياة الطبقة العليا، سواء في السكن أو المنتجعات أو الساحل الشمالي، وأصبح هذا الظهور المستفز واضحًا جدًا".
وأكد أن هذه الفجوة الطبقية تؤثر بشكل كبير على الصحة النفسية للأفراد، خاصة في الطبقة الدنيا، حيث يشعر الآباء والأمهات بالإحباط لعدم قدرتهم على توفير مستوى المعيشة الذي يراه أبناؤهم على الشاشات، وأضاف: "شعور القلة مؤلم جدًا، ويؤثر تأثيرًا نفسيًا سلبيًا، ليس فقط على الآباء والأمهات، بل على الأبناء أيضًا، الذين يشعرون بالحرمان والمقارنة المستمرة".
وحذر الصبغ من أن الجانب الأكبر من المشكلة يكمن في العدوانية المحتملة في المستقبل تجاه الطبقة العليا، مشيرًا إلى أن الأفراد قد يبدأون في إظهار مشاعر الغضب والكراهية والضغينة تجاه من يتباهون بثرائهم وممتلكاتهم بصورة فجة، مختتما: "الوضع الحالي يحتاج إلى وعي مجتمعي وتدخلات لإعادة التوازن، لأن استمرار هذه الفجوة قد يؤدي إلى توترات اجتماعية ونفسية أكثر حدة مستقبلًا".
وجود الطبقات الاجتماعية داخل أي مجتمع ليس خللًا
ومن جانبه، أكد الدكتور أنور حجاب، أستاذ علم النفس، أن وجود الطبقات الاجتماعية داخل أي مجتمع ليس خللًا أو استثناءً، بل هو سنة كونية ثابتة صاحبت البشرية منذ نشأتها، وستظل موجودة في كل زمان ومكان، مشددًا على أنه لا يوجد مجتمع في التاريخ كان جميع أفراده أغنياء، ولا مجتمع كان كله فقراء أو معدمين.
وأوضح حجاب أن المجتمعات بطبيعتها تتكوّن من طبقات متباينة؛ طبقة عليا، وطبقة متوسطة، وطبقة بسيطة أو أقل دخلًا، وهذه سنة الحياة، مشيرًا إلى أن هذا التفاوت في حد ذاته ليس أزمة، وإنما الأزمة الحقيقية تظهر عندما يختل ميزان التكافل والعدالة الاجتماعية.
وأضاف: يروج البعض لفكرة أن الطبقة المتوسطة قد اختفت تمامًا، لكن هذا الطرح غير دقيق علميًا ولا اجتماعيًا، فالطبقة المتوسطة لا تزول، لكنها قد تتغير في حجمها أو طبيعة معيشتها، لأنها جزء من التوازن الاجتماعي الذي أراده الله في الكون، واستشهد أستاذ علم النفس بقول الله تعالى في سورة الأنعام:﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾، مؤكّدًا أن هذه الآية تخاطب بالأساس أصحاب النعم والثراء، باعتبار أن الغنى اختبار ومسؤولية، وليس امتيازًا مطلقًا، كما أشار إلى قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، موضحًا أن معنى "سُخريًّا" هنا لا يحمل أي إهانة، بل يعني التكامل والتسخير المتبادل، حيث يحتاج كل فرد إلى الآخر في منظومة الحياة.
وقال حجاب: لا يمكن للغني، مهما بلغ من الثراء، أن يدير حياته وحده دون الآخرين، كما لا يستطيع الفقير أن يعيش دون فرص عمل أو عائد كريم، والعلاقة هنا علاقة انتفاع متبادل تحفظ للمجتمع توازنه واستقراره، مشددا على أن الإسلام لم يترك هذا التوازن دون ضمانات، فشرع الزكاة كركن أساسي يؤخذ من الأغنياء سنويًا، إلى جانب الصدقات المفتوحة في كل وقت، حتى لا يترك الفقير فريسة للعوز أو الانتظار.
وأوضح الدكتور أنور حجاب، أستاذ علم النفس، أن فئات واسعة من الناس البسطاء لا تنظر إلى الفوارق الطبقية أو الاجتماعية بالطريقة التي يحاول البعض تصويرها أو زرعها، موضحًا أن هؤلاء نشأوا داخل أسر بسيطة اعتادت العمل الشاق مقابل عائد محدود، وبالتالي انشغالهم الأساسي يكون بتلبية متطلبات الحياة اليومية، وليس بمقارنة أنفسهم بالأغنياء أو الدخول في صراعات وهمية.
وأضاف حجاب أن الإنسان البسيط “مطحون في العمل”، وكل ما يشغل باله هو القدرة على الوفاء بمسؤوليات بيته وأسرته، وهو ما يجعله بعيدًا تمامًا عن خطاب الكراهية الطبقية أو تقسيم المجتمع إلى “سكان مصر” و”سكان إيجيبت”، مؤكّدًا أن هذه التقسيمات مصطنعة ولا تعكس الواقع النفسي لغالبية الناس.
وأوضح أستاذ علم النفس أن فهم هذا السلوك الإنساني لا يتم إلا بالرجوع إلى نظرية الحاجات الأساسية للإنسان، والتي تنطبق على كل البشر في أي زمان ومكان، مهما كان غنيًا أو فقيرًا، مشيرًا إلى أن هذه الحاجات مرتبة في شكل هرمي، وهو "الهرم المعدول" المكوّن من ٥ مستويات.
وأشار إلى أن قاعدة الهرم تمثل أقوى وأهم الحاجات الأساسية، وهي الحاجات الفسيولوجية، مثل الأكل، والشرب، والنوم، وهي احتياجات لا يمكن لأي إنسان الاستغناء عنها، سواء كان أغنى رجل في العالم أو أفقر إنسان على وجه الأرض، موضحًا: "الفارق ليس في وجود الحاجة نفسها، ولكن في مستوى إشباعها، فالغني قد يأكل ما يشاء، والفقير يأكل المتاح، لكن في النهاية كلاهما يسعى لإشباع الحاجة، ولا يوجد إنسان يحقق هذه الحاجات بنسبة 100%، بل بنسب معقولة تكفي لاستمرار الحياة".
وأوضح أن المستوى الثاني في الهرم هو الحاجة إلى الأمن، أي شعور الإنسان بالطمأنينة والاستقرار، والعيش في مجتمع يقل فيه الخوف والجريمة، مشددًا على أن هذه الحاجة تمثل عنصرًا جوهريًا في الصحة النفسية.
وأضاف أن كثيرًا من المجتمعات المتقدمة اقتصاديًا تعاني من مستويات مرتفعة من العنف والجريمة، مستشهدًا ببعض المناطق الخطرة في مدن كبرى مثل نيويورك، حيث تنتشر مظاهر الإدمان والجريمة وانعدام الأمان، وهو ما يجعل الشعور بالأمن نعمة حقيقية قد لا يدركها البعض.
وأكد حجاب أن مصر، رغم التحديات الاقتصادية، تتمتع بدرجة كبيرة من الأمان المجتمعي مقارنة بدول أخرى، وهو ما يمثل عنصرًا أساسيا في استقرار الناس نفسيًا، حتى وإن اختلفت مستويات الدخل.
وانتقل أستاذ علم النفس إلى المستويات الأعلى من الهرم، موضحًا أن الحاجة إلى الحب والانتماء، ثم تقدير الذات، ثم تحقيق الذات، تأتي في مراتب لاحقة، ويمكن للإنسان في ظروف معينة أن يستغني عن بعضها، لكنه لا يستطيع أبدًا الاستغناء عن الحاجتين الأساسيتين: الطعام والأمان.
ونوه الخبير النفسي على التأكيد أن الاستقرار النفسي للمجتمع لا يقاس فقط بمستوى الثراء، بل بمدى إشباع الحاجات الأساسية للناس، مشيرًا إلى أن أي خطاب اجتماعي أو إعلامي يتجاهل هذه الحقائق النفسية يفشل في فهم الإنسان وسلوكه الحقيقي.
واختتم الدكتور أنور حجاب حديثه بالتأكيد على أن دور الدولة يظل محوريًا في دعم الفئات الأكثر احتياجًا، من خلال برامج الحماية الاجتماعية، وتوفير السكن، وفرص العمل، وأن التكافل بين الأفراد والدولة هو صمام الأمان الحقيقي لأي مجتمع مستقر نفسيًا واجتماعيًا.
سبل مواجهة النظرة الطبقية في مصر
وعلى الجانب الآخر، أوضح دكتور طه أبو الحسين أستاذ علم الاجتماع سبل مواجهة النظرة الطبقية في مصر، حيث أكد على أن العطاء والمشاركة المجتمعية واجبات دينية وأدوات فعالة لإيجاد التوازن النفسي للفرد وتعزيز التلاحم الاجتماعي، وأشار إلى أن الإنسان السوي يسعى لإقامة علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والحب، حيث يصبح العطاء ليس مجرد عملية مالية، بل تجربة روحانية ونفسية متبادلة تجعل كلا الطرفين سواء الغني أو الفقير يشعران بالرضا والامتنان.
في حديثه حول مفهوم العطاء والزكاة، أوضح أبو الحسين أن التعامل مع المال والعطاء يحتاج إلى فهم عميق لتأثيره على النفس والمجتمع، وقال: "إذا أعطيت الناس شيئًا من فائض مالك أو من حقهم الشرعي مثل الزكاة، فإن هذه العملية لا تقتصر على إعطاء المال فقط، بل هي تبادل للطاقة النفسية، الامتنان، والشعور بالرضا."
وأضاف أن العطاء الممنوح بنية صحيحة ومشاعر صافية يعالج مشكلات الطبقية وعدم المساواة في المجتمع، ويمنع الشعور بالتفوق أو التقليل من الآخرين، فحتى لو كان المال قليلًا، فإن الإحساس بالحب والاحترام والتقدير بين المعطي والمتلقي يخلق حلقة إيجابية من الطاقة المتبادلة تعزز الروابط الإنسانية.
وأوضح أن الإنسان يمتلك طبائع مختلفة، لكن الإنسان السوي هو الذي يختار العطاء والتعاون والرحمة بدلًا من الأنانية والافتراس، مشيرًا إلى أن هذا الفهم يعكس صورة حسنة للإنسان في المجتمع، ويساعد على بناء بيئة اجتماعية متكافئة ومستقرة.
واختتم أستاذ علم الاجتماع حديثه بالتأكيد على أن الزكاة والعطاء ليست مجرد واجب ديني، بل وسيلة لتطهير النفس وخلق السعادة المتبادلة بين الناس، مؤكّدًا أن السعادة الحقيقية للإنسان تأتي عندما يرى أثر عطائه على الآخرين ويشعر بالامتنان المتبادل، وهو ما يميز الإنسان السوي عن بقية الطبائع البشرية.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
