رئيس التحرير
عصام كامل

الإمام الغزالي من العالم الآخر: لم أكن يومًا عدوًّا للعقل.. ولا بلوغ لليقين من غيره.. "العقاد" عن أطروحة الخشت" بـ"السوربون": نقل كلامه عن "الجابري"

الغزالي، فيتو
الغزالي، فيتو
18 حجم الخط

في حضرة الإمام أبي حامد الغزالي تبدو المهمة ثقيلة، ولكن لا بد منها؛ فالرجل على حين غفلة صار "تريند"؛ على خلفية ما وُصِفَ بأنه "قراءة نقدية حادة" طرحها أستاذ الفلسفة الإسلامية بـ جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت عنه، معتبرًا أن إنكاره لمبدأ السببية شكل نقطة مفصلية في تاريخ تراجع العقل العلمي داخل الثقافة الإسلامية. 

"الخشت" في أطروحته المثيرة للجدل والغضب للشارع الفلسفي -التي جاءت بالمؤتمر الدولي الثالث المعتقد والعلم والعقل الذي نظمه المعهد الفرنسي للدراسات الإسلامية وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في جامعة السوربون بباريس مؤخرًا- اعتبر أن لحظة "الغزالي" مثلت – في أحد أبعادها – نقطة مفصلية في تاريخ استقالة العقل داخل الثقافة الإسلامية، وحمَّله مسؤولية فتح الباب أمام هيمنة التفكير الخرافي، وتبرير الخوارق والكرامات غير المنضبطة، بما أثّر سلبًا في تشكل العقل العلمي لدى المسلمين، وأسهم  في تهميش المنهج النقدي وإضعاف حضور العقلانية في المجال الديني!!

ومما قاله "الخشت أيضًا وأثار صخبًا: إن غياب التفكير النقدي في منهج "الغزالي" يفتح المجال أمام أنماط التفكير المغلق والتأويلات المتطرفة، في حين يسهم تعليم يقوم على العقلانية والمنهج العلمي في تحصين المجتمعات من التطرف، وترسيخ مفاهيم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة وسيادة القانون واحترام التعدد، باعتبارها الإطار الجامع الذي يضمن التعايش والاستقرار والتنمية.

ذهبت إلى الرجل–الذي عاش بين عامي 1058 -1111 ميلاديًا- في عالمه الآخر وَجِلًا مترددًا؛ فالغزالي هو من هو بين الفلاسفة والمفكرين والحكماء والفقهاء، قلَّ نظيره، وعزَّ مثيله، ولا يطاوله أحد من المتأخرين، رغم مسيرته العمرية القصيرة نسبيًا؛ فلم يعش أكثر من 55 عامًا. 

لم يفت الموت البعيد في عضد الإمام الذي بدا –كما كان- متقد الذهن، حاضر البديهة، لين الجانب، مترفًا ثريًا. أحسن الرجل استقبالي ووفادتي، قبل أن نلج إلى موضوع الحوار مباشرة. كان صاحب "المنقذ من الضلال" يرى أن السعادة تنبع من تهذيب النفس ورياضتها لاكتساب الفضائل، وأن النفس غير مكتملة بل تكمل بالتربية والتهذيب، فضلًا عن أنه كان يؤمن  بضرورة التحرر العقلي والوجودي من سلطة التقليد الأعمى، واعتبره شرطًا للحرية والإبداع والتجديد.. وهذا هو العنوان الأبرز، إن لم يكن الأوحد لهذا الحوار.

سيدي الإمام.. جئتُ إليك مُتعلمًا قبل أن أكون سائلًا أو مُستفسرًا.

لا عليك، ما الأمر، وما القضية؟

كما أخبرتكم.. أنتم متهمون بتغييب العقل عن الثقافة الإسلامية، وتهميش المنهج النقدي وإضعاف حضور العقلانية في الفكر الديني..

كل هذا.. ومَن الذي قال، وما كينونيتُه ورسمُه وسمتُه.. هل أنت؟

لا والله، بل أستاذ جامعي متخصص في الفلسفة الإسلامية وصاحب مؤلفات عديدة، وكان رئيس جامعة كبرى، و...

حسنًا.. وهل كان هذا اجتهادًا شخصيًا من عنده، أم نقلًا عن غيره؟!

حقيقة الأمر، لا أعلم إن كانت أطروحتُه بشأنكم اجتهادًا شخصيًا، أو نقلًا عن غيره –كما تفضلتم- فلم أشق عن صدره، ولا يمكنني الحُكم على نواياه..وأنا هنا –معذرة- لستُ منحازًا مع طرف ضد آخر، ولكن أحاول أن أكون موضوعيًا متجردًا من أي هوى؛ وصولًا إلى حكم قاطع ونهائي..

لا عليك.

فضيلة الإمام..عذرًا، جئتُ لأسأل وأستفسر وأستوضح، ولكنكم مَن تسألونني منذ بداية الحوار..

(مُقاطعًا).. لا أريده حوارًا تقليديًا، بل تفاعليًا.. دعنا نتكلم على طبيعتنا دون قيود أو قوالب ثابتة.. هل أنت مرتبط بمواعيد أخرى؟

لا ضيرَ، ولكن أخشى أن يطول الوقت وينتهي الحوار، دون أن أدرك الهدف الذي حضرتُ إليكم من أجله.

-اطمئن، ولا تقلق؛ فلن تنصرفَ من هنا دون الحصول على مُبتغاك.. ولكن لي طلبًا..

تفضلوا.

سوف ينضم إلينا الأستاذ عباس العقاد؛ لقد اتفقتُ معه على أن يحضر هذه المقابلة.

هذا شرفٌ عظيمٌ سيدي، وإن كان سوف يفاقم المسؤولية. أعلم أن العقاد –رحمه الله- كان من أعظم المنافحين عنكم، وكان يراكم أعظم شخصية إسلامية بعد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلم أيضًا أنه ألقى محاضرة طويلة في رحاب الجامع الأزهر الشريف، في عام 1960، عن فلسفتكم، كشف خلالها عن مدى إعجابه بشخصيتكم الباحثة عن نور الحق، المتجردة لطلب العلم والمعرفة، واليقين الحق، ولا شيء سواه. 

عظيم عظيم.. يبدو أنك أعددتَ جيدًا للحوار..ها هو "العقاد" قد حضر.. تفضل يا أستاذ..

ترحيب بروتوكولي مقتضب من الأستاذ "العقاد" الذي لا يزال محافظًا على إطلالته التليفزيونية التي ظهر بها مع المذيعة أماني ناشد.. قبل أن أبادره مباشرة: هل كان الإمام الغزالي خصمًا للعقلانية، وكان سببًا في استقالة العقل من الفكر الإسلامي؟

هذا كلام غير صحيح ومتهافت؛ فالإمام الغزالي هو العالِم الوحيد في الشرق والغرب الذي لم يتخلَّ يومًا عن المنهجية والعقلانية في مناقشاته ومحاوراته ومؤلفاته. والواقع  أن الإمام لم تكمل له أداة قط، كما كملت له أداة الفلسفة؛ فهو عالِم وفقيه ومُتكلم.

سألت "العقاد" عن أسباب تفوق  "الغزالي" على أقرانه من الفلاسفة والمتكلمين من الإغريق ومن المسلمين..من وجهة نظره.

يرجع تفوق الإمام عليهم جميعًا؛ لأنهم في قضاياهم الكبرى حول الله والكون والإنسان كانوا يخلطون بين عدم العالم وبين العدم المطلق. فعدم العالم ليس بالعدم المطلق، كما يقول حجة الإسلام، بل هو عدم العالم وكفى!

سؤال آخر سيدي.. بشكل واضح وصريح؛ وحتى لا يتوه الكلام ويتفرع: هل كان فضيلة الإمام ضد العقل، وهل كان كارهًا للفلسفة والفلاسفة؟

مواقف الإمام الغزالي من العقل شديدة الإيجابية. هو لم يكن ضد الفلسفة في حد ذاتها؛ بوصفها فكرًا عقليًّا منطقيًا، بل كان ضد نزعة الفلاسفة الذين يتأملون بواسطة العقل في مسائل تتجاوز قدراته على غرار: الإشكاليات الغيبية والماورائية المتصلة بالشرع. فضيلة الإمام كان فيلسوفًا عقليًا، له نظرة عميقة لمفهوم العقل بوصفه الأداة المُثلى لاكتساب المعرفة.

وهل قسَّم الإمام العقل إلى أقسام عدة فعلًا.. وما هي؟

هذا صحيح؛ فالإمام قسَّم العقل إلى أقسام متعددة: فهو العقل الذي يميز بين الإنسان والحيوان، وهو كذلك العقل النظري المستعد لتلقي العلوم وقبولها، وهو العقل الذي يكون بمثابة الغريزة، فهو فطرة في الإنسان. كما تحدث عن العقل الظاهر الذي يُميز بين المُمكن والمُحال، وهناك أيضًا العقل المرتبط بالتجربة، تمامًا مثلما يذكر العقل المرتبط بالمجال الأخلاقي، من حيث إنه رادع للغرائز والشهوات. العقل –عند الغزالي- سبب سعادة الإنسان.

سؤال آخر للأستاذ العقاد: هل كان "أبو حامد" كارهًا للفلاسفة؛ باعتبارهم (أهل العقل)؟

(متضجرًا)..لماذا تكرر السؤال مجددًا؟! هناك  من يصنف "الغزالي" مُعاديًا للعقل وللنزعة العقلية عمومًا، على خلفية مواقفه من بعض أعلام الفلاسفة مثل: أرسطو وأفلاطون، ثم ابن سينا والفارابي وغيرهما.. ودعني أفضَّ لك هذا الاشتباك الذي لا أظنه غامضًاـ وهو أن الإمام كان يرفض أن يدخل العقل في متاهات عالم الغيب، ولكنه كان يقبل بكل الإشكاليات الفلسفية التي لا تتعارض مع الأحكام الدينية، في تصوره، مثل: المسائل الرياضية والفلكية والهندسية والمنطقية والطبيعية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى علم الكلام للدفاع عن عقيدة أهل السنة كما يتصورها. ومع ذلك، تبقى نظرة "الغزالي" إلى العقل نظرة خصوصية يسعى من خلالها إلى الجمع بين العقل والنقل، وليأخذ في الغالب موقفًا وسطًا بينهما، فالشرع يحتاج إلى العقل لفهمه وشرح مُبهماته، والعقل بدوره يحتاج إلى الشرع لطمأنينة القلب.

كلمة أخيرة من الأستاذ العقاد عن فضيلة "الإمام".

يجب على كل من يتناول أفكار "الغزالي"، ويضعها موضع التقييم، أن يضعه أولًا في سياق تاريخه وعصره، ويرصد مراحل تطوره الفكري. "أبو حامد"  فيلسوف تأثر بـ"ابن سينا" و"إخوان الصفا" في معالجته لقضايا وجود النفس وأدلة وجود الله. وهو فيلسوف في شرحه للمنطق والنظر إليه كوسيلة حيادية في معيار العلم والقسطاس المستقيم، وهو متكلم بارع في كتابه "الاقتصاد في الإعتقاد" و"الأربعين في أصول الدين"، كما إنه أعظم مَن رد على الباطنية، وهو ناقد للفلسفة في "تهافت التهافت" و"مقاصد الفلاسفة"، وهو فقيه سياسي في كتابه "التبر المسبوك في نصيحة الملوك"، كما إن له إسهامه في فلسفة الأخلاق. ولا يصح الحديث عن "الغزالى" دون قراءة مؤلفاته وفقا للتطور التاريخي والاجتماعي والسياسي، ووفقا لتطور مساره الروحي في الزمن. ودعني أفاجئك أن عبارة: "الغزالي وراء استقالة العقل من الإسلام"، نقلها "الخشت" عن محمد عابد الجابري ( 1935-2010)، وليس نتاج تفكيره ولا نتيجة توصل لها بعد بحث!

شكرًا جزيلًا أستاذ (العقاد).. دعني أنتقل إلى فضيلة الإمام لأسأله بشكل واضح وصريح: یری بعض الدارسين -سيدي الكريم- أنكم بوصفكم "أشعري المذهب" أهملتم العقل وتغاضيتم عن دوره في المشروع المعرفي.. وهذا (حرفيًا) ما طرحه "الخشت" أو نقله؟

نظرة عميقة إلى نصوصي ومؤلفاتي من شأنها أن تبيّن لك ولهم موقفي الحقيقي من العقل؛ هذا العقل الذي يُمكن أن يتحول عندي إلى وسيلة منهجية لبلوغ اليقين، إن لم يكن هو العنصر الجامع للعلوم بأنواعها: الشرعية والإنسانية والاجتماعية. الدارس الحقيقي لكتاباتي يدرك كيف جمعتُ -في تكامل معرفي شديد- بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، دون فصل بين القطاعات المعرفية. القارئ الجيد لأعمالي الفكرية يتوصل بسهولة إلى مكانة العقل عندي، وكيف كان عامل بناء، وليس معول هدم. لم أهمش العقل يومًا ولم أقزمه، ولم أجبره على الاستقالة من الفكر الإسلامي. هذا سخف شديد، إن لم يكن جهلًا أشد!

يجدر بنا هنا أن نتحدث عما عانيتموه في فترة من حياتكم من الشكوك.. وهل كان العقل –وحده- هو السبيل الوحيد لتجاوزها.. وكيف؟

هذا سؤال جيد ويختصر كلامًا كثيرًا. لا أنكر أنني مررتُ بمرحلة شك عظيمة؛ بفعل تضارب الفرضيات المتعلقة بالمعرفة على مختلف أنواعها. وكان الهمُّ الأكبر لي يومئذ هو: كيف السبيل إلى اليقين الذي ما بعده شك؟ وهذا لم يكن بمعزل عن العقل. ولعل العقل كان هو الجامع بين كل هذه الألوان المتضاربة من المعارف وهو الذي قادني في نهاية الأمر إلى اليقين، وشرف العلم يتأتى من العقل، والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسُه. 

هل يمكن أن نجد في كتاب مثل: "إحياء علوم الدين" هذه الحفاوة بالعقل؟

في "إحياء علوم الدين" تجد مقاربة جادة عن علاقة العقل بالعلم، وهي أشبه بعلاقة الثمرة بالشجرة، والنور بالشمس، والرؤية بالعين. وفي هذا الكتاب بينتُ  أن العقل هو الذي يُميز بين الإنسان والحيوان؛ لأنه يُكسب الإنسان التجربة التي تخوّل له السير في طريق الصواب والحقيقة. العقل هو هيبة الكائن وعنوان تميُّزه.

نعود إلى ما ذكره "العقاد" آنفًا، وهو تقسيمكم معاني العقل إلى أربعة تعريفات..هل من مزيد للاستيضاح والتفصيل؟

العقل –عندي كما ذكر الأستاذ العقاد-  يُطلق على أربعة معانٍ: المعنى الأول للعقل هو الذي يُميّز الإنسان عن الحيوان؛ باعتباره مُنتجًا للمعرفة والعلم، وهو الوصف الذي يُفارق الإنسان بواسطته سائر الحيوانات، وعن طريقه يكون مستعدًا لتلقي العلوم النظرية وقبولها، وتكون له القدرة على التدبير. العقل موجود في الإنسان بصفة فطرية وطبيعية بدليل أن الغافل عن العلوم والنائم يُسميان عاقلين؛ باعتبار وجود هذه الغريزة فيهما مع فقد العلوم. والمعنى الثاني للعقل  هو "العقل الظّاهر"، وهو العقل الذي يُميّز بين الممكن والمحال بصورة منطقية، ويبدو هذا العقل في صورة تلك العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الإنسان العاقل، وهي علوم تحكم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات کالعلم بأنّ الاثنين أكثر من الواحد، وأنّ الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد. وثالث معاني العقل هو العقل المرتبط بالتجربة، حيث يُكسب صاحبه الخبرة اللازمة التي تنأى به عن الجهل. هذا العقل  يرتبط بـ "علوم تُستفاد من التجارب بمجريات الأحوال، فإنّ مَنْ حَنّكَتْهُ التّجارب وهذبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة. ومن لا يتصف بهذه الصفة، فيقال إنه غبيّ غمر جاهل. فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلًا.

وأخيرًا، فإنّ الدلالة الرّابعة للعقل تتّصل بالمجال الأخلاقي والمجال العملي، حيث يكون هذا العقل بمثابة الوسيلة الرادعة للغرائز والشهوات؛ إذ يُمكّن  الإنسان من معرفة عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوّة سُمّي صاحبها عاقلًا من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحُكم الشهوة العاجلة، وهذه أيضا من خواص الإنسان التي بها يتميّز عن سائر الحيوانات.

إذن.. هذا اعتراف منكم بأهمية العقل وقوة تأثيره، ومن ثم لا مجال لما يتردد عن عدائكم وخصومتكم له.

لا يمكن لكل ذي بصيرة أن ينكر حضور العقل؛ كونه الوسيلة الأساسية لبلوغ المعرفة أو بنائها، وهذه المعرفة تتراوح بين نظرية وعملية، انطلاقًا من تقسيم العقل، بين عقل نظري وعقل عملي.  ليس للعقل تعریف واحد، بل عدة تعريفات، وهي تعريفات –كما أسلفنا- تُحيل على علوم متنوعة وعلى أشخاص متنوعي التجارب.

وما مكانة العقل في سلسلة الخلق؟

العقل يحتل مكانة لا جدال فيها في سلسلة الخلق، فأول الأشياء: الكلمة، والثاني: العقل، والثالث: النفس، والرابع: الهيولي (الأصل أو المادة)، والخامس: الطبيعة، والسادس: الجسم، والسابع: الأفلاك، والثامن: الأركان الأربعة (النار، الهواء، الماء، التراب)، والتاسع: المولدات، والعاشر: الإنسان. يتبين بهذه المقدمات أن نهاية العدد العشرة، والعشرة راجعة إلى الواحد الأول، وهو العقل الكلي، والعقل الكلي أثر كلمة من كلام الله، والنطق أثر من العقل الكلي..ودعني أبسط لك القول: إن الله عندما أراد إظهار قدرته وإرادته أبدع جوهرًا روحانيًا بسيطًا ومدركًا، وكاملًا، وجعله صافيًا وجليًا كالمرآة، ثم قابله بنور جلاله وجماله، وبذلك كان تجليا من تجليات ماهيته وجوهريته، وعقل هذا الجوهر الروحاني ربوبية صانعه ومبدعه، فأدرك بذلك عبودية ذاته، فصار ذلك الجوهر أيضا المبدع الأول عقلًا بصفاء ذاته، عاقلًا بإدراك ربوبية خالقه، معقولًا بإحاطة العبودية حوله، فالعقل أول المبدعات.

وما المهمة المثالية للعقل سيدي الإمام؟

العقل يسمح للإنسان بتحقيق الاستقلال الفكري؛ إذْ إنه لا خلاص إلا في الاستقلال. خذْ ما تراه ودع شيئًا سمعت به. وهو كذلك يشرع الشك بما هو طريق إلى الحقيقة؛ إذْ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال. والعقل مفتاح السعادة؛ فمن لم يكن عاقلًا لم يكن عادلًا، ومن لم يكن عادلًا مأواه جهنم، فلهذا كان رأس مال السعادات كلها العقل. 

لكم كتاب عنوانه: "معيار العلم في المنطق"..ما علاقته بـ"قضية العقل" محور حديثنا؟

لما كثر في المعقولات مزلة الأقدام، ومثارات الضلال، ولم تنفك مرآة العقل عما يكدرها عن تضليلات الأوهام، وتلبيسات الخيال، رتبنا هذا الكتاب معيارًا للنظر والاعتبار، وميزانًا للبحث والافتكار، وصيقلًا للذهن، ومشحذًا لقوّة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة إلى الشعر، والنحو بالإضافة إلى الإعراب؛ إذْ كما لا يُعرف منزحف الشعر عن موزونه إلاّ بميزان العروض، ولا يميّز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو. كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه، وصحيحه وسقيمه، إلا بهذا الكتاب.

من المسائل الميتافيزيقية المركزيّة التي عارضتم فيها الفلاسفة قولُهم بِقدَم العالم.. لماذا؟

هذا صحيح؛ لأنه مُحال؛ لأنّ الفعل يستحيل أن يكون قديما؛ إذْ معنى كونه فعلًا أنه لم يكن قد كان، فإن كان موجودًا مع الله أبدًا، فكيف يكون فعلًا ؟ بل يلزم من ذلك دورات لا نهاية لها على ما سبق، وهو مُحال من وجوه، ثم إنهم مع اقتحام هذا الإشكال لم يتخلص الفلاسفة من أصل السؤال، وهو أن الإرادة لما تعلقت بالحدوث في وقت مخصوص لا قبله ولا بعده، ومع تساوي نِسب الأوقات، فإنهم إن تخلصوا عن خصوص الوقت لم يتخلصوا عن خصوص الصفات، والعالم مخصوص بمقدار مخصوص ووضع مخصوص، وكانت نقائضُها ممكنة في العقل، والذات القديمة لا تُناسب بعض المُمكنات دون بعض.

نخلص من هذا أنكم لم ترفضوا الفكر الفلسفي في حد ذاته كما يتردد؟

إيماني بالمنهج العقلي هو ما جعلني لا أرفض الفكر الفلسفي في حد ذاته، كما يدعي بعضُهم ويكذب وهو عالم بكذبه، وهو فكر قائم على البرهان المنطقي وحتى نقده، فقد كان موجهًا بالأساس إلى بعض الفلاسفة الذين لم يميّزوا بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية، وهذا الجمع بين الموقف الفلسفي العقلاني والموقف الديني والشرعي يُمكن أن يتوضح لنا كذلك في موقفي من علم الكلام.

وهل علم الكلام من العلوم العقلية بتقديركم؟

"بنصف ابتسامة"..أعلم مغزى السؤال، ولن أسمح لكم باستدراجي.. بكل تأكيد علم الكلام من العلوم العقلية، وموضوعه الدفاع عن العقيدة بالأدلة والبراهين، ومن ثم فهو يستخدم المنهج العقلي (الجدل العقلي) وبعض المناهج التي يستقيها من الفلاسفة مثل: القياس والبرهان. ولذلك اعتبرتُه من العلوم العقلية؛ لأنه لا يقتصر على البعد الشرعي فقط، بل يتعداه إلى كل ما يشير إلى صفة المعقولية لدى الإنسان، هذه الصفة التي يعبر عنها بطريقة جلية علم الكلام، وهو الذي يُعرف كذلك بعلم التوحيد، وأذكر أني كتبتُ في "الرسالة اللدنية"، في فصل عن أصناف العلم وأقسامه: "اعلم أن العلم على قسمين: أحدهما شرعي، والآخر عقلي. وأكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها. وأكثر العلوم العقلية شرعيّة عند عارفها". وإن كنت اعتبرت علم الكلام والتوحيد أشرف العلوم وأكملها، فإن هذا لم يمنعني من نقده في جوانب عديدة خاصة في قول المتكلمين بأن النفس والجسم لا يختلفان إلا في خاصيات عرضية.

طالما أدركنا الحديث عن ثنائية النفس والجسم.. أيهما مصدر الحقائق والعلوم؟

النفس هي مصدر الحقائق والعلوم، والجسم ليس إلا عرضًا ولا يُمكنه أن يُكون جوهرًا للموجودات، فهو زائل وهي باقية. الجسم ليس بمحل للعلم؛ لأن الأجسام متناهية، ولا تسع كثرة العلوم، بل لا يحتمل إلا النقوش والرقوم، والنفس قابلة لجميع العلوم من غير ممانعة.

ولكنك انتقدت في الوقت نفسه المتكلمين.

لا تكن مثل صاحبك الذي تقوَّل عليَّ؛ فأنا انتقدت فئة من المتكلمين كانت تُسمى نفسها: "المُشبهة والمُجسمة"، وهي التي تعتقد في أن ذات الله وصفاته تخضع للتجسيد والتشبيه على غرار اليد والقدم والجلوس والانتقال وغيرها من الصفات، وأنا أدركت أن هذا الاعتقاد يُسيء إلى الذات الإلهية ويتضارب مع اعتقادات السلف.. واتفق معي خلقٌ كثيرٌ. التشبيه في ذاته يتعارض مع العقل، ولا يمكن للمنطق القبول به كحقيقة جوهرية.

إذن.. هل يمكن أن نخرج بلافتة كبيرة تؤكد اعتقادكم في قوة الأدلة العقلية؟

هذا كلام لا يحتاج إلى تأكيد، ولكن على أية حال اكتب علي لساني وأنا في دار البقاء وأنتم لا تزالون في دار الفناء: "كان اعتقاد الغزالي في قوة الأدلة العقلية اعتقادًا لا يمكن إنكاره، ولكنه في المقابل يجعل البرهان العقلي مقتصرًا على فئة العلماء فقط، الذين بإمكانهم الذهاب بعيدا في التأويل والخوض في جواهر الحقائق، وأما غير ذلك، فسنجد أنفسنا أمام الأخبار الموهِمة للتشبيه كما هو الحال عند من أسميتهم في حياتي: الرعاع والجهال"، مع التنويه إلى أن أحكام العقل صادقة، ولكنها تبقى عرضة للخطأ والزلل، وأن العقل يحتاج إلى الاهتداء بالشرع، وإلى تحقيق معارفه بواسطة الاتصال الوجداني بالله. 

ختامًا سيدي الإمام.. أطلب منك النصيحة، فمن أمثالكم تُطلب وتُرجى؟

إنما أوصيك بما أوصيتُ به أصحابي ساعة احتضاري: عليك بالإخلاص.. كن مخلصًا لله ولنفسك ولمن حولك، والله حسبك ونعم الوكيل.

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية