"الشفتشي" حرفة مصرية نادرة تعود للحياة بقلب القاهرة.. ملحمة للحفاظ على التراث المصري بشارع المعز.. تناغم بين صوت المطرقة على النحاس مع عبق الأزقة القديمة
في قلب القاهرة الفاطمية، حيث يختلط التاريخ بصوت المطرقة على النحاس ورائحة الخشب القديم، تقف مدرسة الحرف اليدوية بشارع المعز شاهدة على مقاومة النسيان، هنا، لا تُعرض المشغولات كتحف في متحف، بل تُولد من جديد على يد جيل شاب يتعلم من آخر الأسطوات الكبار، ليعيد الروح لمهن مهددة بالاندثار.
وسط هذه الأجواء المشبعة بعبق التاريخ والإبداع، تتقاطع حكايات شابة في مقتبل العمر مع مدرب ورث الحرفة أبًا عن جد، لتصبح المدرسة مرآةً حقيقية للتواصل بين الماضي والمستقبل، وجسرًا يحمل أسرار الحرف من جيل الأسطوات إلى أيادي الشباب الواعد.

مدرسة الحرف اليدوية قلب نابض في شارع المعز
تأسست مدرسة الحرف اليدوية في شارع المعز بهدف إنقاذ المهن التقليدية المصرية من الاندثار والضياع، وهي ليست مجرد ورش تدريبية عادية، بل مؤسسة متكاملة ومدروسة توفر منظومة شاملة للتعليم والتدريب والإنتاج.

تضم المدرسة مساحات واسعة للتعلم العملي على يد أمهر الحرفيين وآخر الأسطوات الباقين، الذين يحملون في صدورهم كنوز المعرفة التقليدية، كما تقدم فرصًا حقيقية للشباب للحصول على مقابل مادي أثناء فترة التدريب، مما يحول الحرفة من مجرد هواية إلى مصدر رزق محتمل ومستدام.
ونجحت المدرسة خلال سنوات قليلة في أن تصبح جسرًا حقيقيًا بين الأجيال، ومكان استثنائي يلتقي فيه آخر الأسطوات الذين حملوا سر المهنة وأصولها عبر عقود طويلة، مع شباب وشابات طموحين يبحثون عن هوية مهنية جديدة ومعنى أعمق للعمل والإنتاج.

فاطمة سعيد ربيع رحلة من الهندسة إلى سحر الشفتشي
بين قاعات الدراسة الحديثة في كلية الهندسة بجامعة حلوان، وورش المدرسة العتيقة في شارع المعز، تعيش فاطمة سعيد تجربة استثنائية ومدهشة، فقبل أربع سنوات كاملة، قادها الفضول والرغبة في الاستطلاع لاكتشاف عالم مدرسة الحرف اليدوية، ووجدت نفسها وجهًا لوجه أمام مهنة اندثرت تقريبًا من الوجود وهس “الشفتشي”.

تحكي فاطمة قصتها بحماس واضح قائلة: "المهنة اتقرضت تقريبًا، ومكانش حد يعرف عنها حاجة. لكن عم سيد، اللي هو آخر وأقدم الحرفيين في المهنة دي، هو اللي علمنا كل أصولها وأسرارها. ومن يومها بقينا نعمل من الشفتشي كل حاجة ممكن تتخيلوها، أساور رقيقة، فناجين قهوة أنيقة، وتحف جميلة تشبه الانتيكات القديمة الأصلية. الحقيقة احنا دلوقتي نقدر نعمل أي تصميم مهما كان معقد، طالما العميل طلب منا."
لكن الشفتشي، كما تعلمت فاطمة، ليس مجرد معدن يُطرق بالمطارق، بل حكاية طويلة وعميقة من الصبر والتأني والدقة، حيث تعترف فاطمة بصراحة: "أنا اتعلمت من المهنة دي الصبر وطول البال أكتر من أي حاجة تانية. كل قطعة محتاجة وقت طويل وإتقان شديد عشان تطلع في النهاية بشكلها الجميل والمطلوب."

سر اسم "الشفتشي" والعملية الفنية المعقدة
الاسم الغريب والمميز للحرفة يثير فضول كل من يسمعه لأول مرة، وتشرح فاطمة بتفصيل ممتع أن الشفتشي يُصنع من سلك رفيع ومرن يُستخدم أساسًا للحشو والتزيين، ويمر بمراحل معقدة، يُلحَم أولًا بدقة فائقة، ثم يُلمّع بعناية شديدة، ليُغطى في النهاية بطبقة من النيكل اللامع، وأخيرًا بطبقة رقيقة من الفضة الخالصة.
أما سر الاسم العجيب، فله خصوصية لافتة ومميزة: حيث تقول فاطمة: "الإسم جاي من إن الحلي اللي بتطلع منه دايمًا تكون مدلعة جدًا، فيها شخلعة ولمعة خاصة. وكمان لأن المعدن في النهاية بيبقى شفاف ورقيق زي الحرير."

مراحل التصنيع المعقدة تمر بخطوات دقيقة ومحسوبة، من بينها: اختيار التصميم المطلوب وفصله بعناية، ثم لحام القطعة بمهارة عالية، تليها عملية التلميع الشاقة، وأخيرًا تغطيتها بالنيكل ثم الفضة، وهكذا يتحول السلك البسيط والعادي إلى قطعة فنية رائعة تتحدث بلغة الجمال الخالص والإبداع الأصيل.
جابر إبراهيم وارث السجاد اليدوي وحامل الأمانة
على بُعد خطوات قليلة من ورشة فاطمة، يجلس جابر إبراهيم بهدوء ووقار، وهو الرجل الذي ورث مهنة السجاد اليدوي الأصيل عن أبيه وجده، حاملًا معه تاريخًا عائليًا عريقًا من الحرفة والإتقان، فقبل أربع سنوات بالضبط، انضم جابر إلى صفوف المدرسة ليصبح واحدًا من أعمدتها الأساسية والمهمة في تدريب العشرات من المتعلمين الجدد والمتحمسين.

يتحدث جابر بفخر واعتزاز واضحين عن مهنته قائلا: "أنا ورثت المهنة دي أب عن جد، ودي حاجة أنا فخور بيها جدًا. واشتغلت قبل كده في مناطق كتيرة، في الدرب الأحمر وفي مدارس وورش مختلفة كتير. بس وجودي هنا في المدرسة دي مختلف تمامًا، لأني قدرت أعلم ناس كتير وأوصل لهم المهنة، وعرفت إن المهنة دي لسه ليها مستقبل كبير."
ويشرح جابر بتفصيل شيق، عن أن السجاد اليدوي عملية معقدة تبدأ من لحظة اختيار التصميم المناسب فيقول: "أهم حاجة في الشغل كله هو التصميم اللي هشتغل عليه، لأن ده اللي هيحدد شكل السجادة النهائي. بعد كده بييجي التنفيذ الفعلي، اللي محتاج دقة عالية جدًا وصبر طويل مش عادي. السجادة مش مجرد قطعة للفرش في البيت، دي لوحة فنية كاملة بتتعمل بالخيط والإبرة والحب."

دور المدرسة في ربط الأجيال
ما يحدث داخل أسوار مدرسة الحرف اليدوية يتجاوز مجرد نقل المهارات التقنية، ففاطمة الشابة المتعلمة وجابر الحرفي الخبير يمثلان نموذجًا مثاليًا للتكامل بين الأجيال، كلا منهما يجلب معه الحماس والرغبة في التعلم والتطوير، وتقديم الخبرة والتجربة والحكمة المتراكمة.
تصف فاطمة هذا التفاعل فتحكي قائلة: "تعلمت من الأسطوات الكبار مش بس الشغل، لكن كمان الأخلاق والصبر. عم جابر وعم سيد وكل الحرفيين هنا بيعلمونا إن الشغل اليدوي ده مش مجرد صنعة، ده فن وأسلوب حياة."
أما جابر فيتحدث عن قيمة هذا التبادل قائلا: "الشباب بيجيبوا معاهم أفكار جديدة وطاقة، واحنا بنديلهم الخبرة والأصول. المدرسة دي بقت بيت حقيقي لكل اللي بيحب الحرف الأصيلة."
أكثر من مجرد تعلم حرفة
من خلال شهادات المتدربين المختلفين، تبدو المدرسة أكثر بكثير من مجرد ورش تدريبية عادية، حيث وجدت فاطمة في حرفة الشفتشي النادرة درسًا عميقًا في الصبر والهدوء والتأني، وطريقة جديدة للنظر إلى العالم والحياة، ووجد جابر في السجاد اليدوي وسيلة مثلى للتعبير عن فخره العميق بتاريخ عائلته العريق، وطريقة للحفاظ على إرث لا يُقدر بثمن.
وبين قصة الاثنين المؤثرة، تتجلى رسالة المدرسة الحقيقية والعميقة، وهي أن الحرفة ليست مجرد مهنة أو وسيلة لكسب المال، بل أسلوب حياة متكامل ينقل القيم الأصيلة والمبادئ النبيلة قبل أن ينقل المهارات التقنية والعملية.
شارع المعز اختيار واعٍ للمكان والتاريخ
وجود المدرسة في شارع المعز التاريخي ليس مصادفة عابرة أو قرارًا عشوائيًا، بل اختيار واعٍ ومدروس، فهذا الشارع العريق الذي أسسه الخليفة الفاطمي المعز لدين الله منذ أكثر من ألف عام كاملة، كان وما يزال قلب القاهرة التجاري والحرفي النابض بالحياة والحيوية.
واليوم، تعيد المدرسة للأذهان والقلوب تلك الأجواء التاريخية الساحرة، حيث تلتقي الفوانيس النحاسية اللامعة بالمشغولات الخشبية الأنيقة والسجاد اليدوي الملون، في مشهد يجسد استمرارية الحضارة وتجددها.
نحو المستقبل حلم يتجدد يوميًا
بين أيدي فاطمة الشابة الماهرة، ووراثة جابر العميقة للمهنة والتقاليد، يكتمل المشهد الجميل والمؤثر، ياعتبار أن المدرسة ليست فقط مكانًا لإحياء التراث والحفاظ عليه من الاندثار، بل وعدٌ حقيقي ومؤكد بمستقبل مشرق تتسلم فيه الأجيال الجديدة المسؤولة مشعل الحرف اليدوية بكل فخر واعتزاز.
وقد عبر الأسطى جابر عن محبته للمهنة بقوله: “أنا بحب المهنة دي من كل قلبي وفخور بيها جدًا”، أما فاطمة أكدت أن إصرارها القوي على أن الجمال الحقيقي يمكن أن يُصنع من النحاس البسيط والسلك العادي والعرق الشريف.
وهكذا، في قلب شارع المعز التاريخي العظيم، لا يُحكى الماضي فقط بين الجدران العتيقة، بل يُعاد تشكيله وصياغته يوميًا في ورش صغيرة ومتواضعة، تكتب بصمت وإصرار وحب تاريخًا جديدًا ومشرقًا للحرف اليدوية المصرية الأصيلة.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
