رئيس التحرير
عصام كامل

حدث في رمضان، جيش المسلمين يفتح بلاد السند نجدة لمسلمة سباها القراصنة

الحروب الإسلامية
الحروب الإسلامية

في مثل هذا اليوم السادس من رمضان، فتح المسلمون بلاد السند، حيث انتصر محمد بن القاسم الثقفي على جيوش الهند عند نهر السند، لفتح بلاد السند، وكان ذلك في آخر عهد الوليد بن عبد الملك.

ما هي بلاد السند

تشتملُ بلاد السند، التي عرفها المُسلمون أيَّام الفتح، على ثلاثة من أقاليم پاكستان المُعاصرة، هي: السند والپُنجاب والحُدُود الشماليَّة الغربيَّة في البلاد، طبقًا لما أوردتهُ المصادر التاريخيَّة الإسلاميَّة الأولى، وكذلك بعض كُتُب المعاجم الجُغرافيَّة الإسلاميَّة، وما يُفهم من بعضها الآخر، فهي ليست مقصورة على إقليم السند الپاكستاني وحده، فهذا الإقليم لا يشمل سوى أراضي وادي نهر السند السُفلى.

بلاد السند

وفي ذلك يقول الإصطخري: «وَأمَّا بِلَادُ السِندِ وَمَا يُصَاقِبُهَا مِمَّا قَد جَمَعنَاهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهِيَ بِلَادُ السِندِ وَشَيءٌ مِن بِلَادِ الهِندِ وَمُكرَان وَطُورَان وَالبُدَهَة، وَشَرقِيَّ ذَلِكَ كُلُّهُ بَحرُ فَارِسَ، وَغَربِيِّهِ كَرمَان وَمَفَازَة سِجِستَان وَأَعمَالُ سِجِستَان، وشَمَالِيِّهِ بِلَادُ هِندٍ، وَجَنُوبِيِّهِ مَفَازَة بَينَ مُكرَان وَالقَفَص، وَمِن وَرَائِهَا بَحرُ فَارِسَ، وإِنَّمَا صَارَ بَحرُ فَارِسَ يُحِيطُ بِشَرقِيِّ هّذِهِ البِلَادِ وَالجَنُوبِيِّ مِن وَرَاءِ هَذِهِ المَفَازَةِ...».

 ووادي السند هو جُزءٌ من شبه القارَّة الهنديَّة، وقد عُرفت المنطقة الغربيَّة من شبه القارَّة المذكورة باسم «الهندُستان» عند الفُرس، ويُعتقد أنَّ هذا الاسم اشتُقَّ من نهر السند، الذي كان يعرفهُ الفُرس القُدماء باسم «هندُ» أي «النهر» اشتقاقًا من «سندُ» السنسكريتيَّة وسُهُول وادي السند تمتد من كشمير شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا، وهي من أخصب بقاع العالم، وهي قليلة الانحدار وبِخاصَّةً قُرب الساحل، وفيها قامت حضارة عظيمة قبل نحو 4500 سنة.

وينبع نهر السند من السلاسل الشماليَّة لِجبال الهيمالايا ويتَّجه نحو الغرب مُخترقًا مُرتفعات كشمير مُكوِّنًا واديًا عظيمًا هو أحد أهم أجزاء كشمير، ثُمَّ ينحني إلى الجنوب الغربي ويستمرُّ في اتجاهه مُخترقًا الجبال حتَّى يصبُّ به نهر كابُل الذي ينبع من هضبة أفغانستان، ويستمرُّ النهر مُوازيًا لِلجبال المُمتدَّة في الغرب حتَّى يصبُّ في بحر العرب. ولِنهر السند أربعة روافد عظيمة في الپُنجاب، المعروفة بِأرض الأنهار الخمسة.

فتح بلاد السند

كانت غزوات المُسلمين الأولى أقرب إلى اختبار البلاد وأهلها بِالسرايا، ولم يتحقق فيها فتحٌ مُستدام، وكانت كُل الفُتُوحات تجري برًّا، ولم يركب المُسلمون البحر نحو ثُغُور السند حينذاك نظرًا لمنع الخليفة عُمر بن الخطاب  القادة وجُنُودهم من رُكُوب البحر لِما في ذلك من مُجازفة، لا سيَّما وأنَّه لم يكن لِلمُسلمين دراية بِالغزوات البحريَّة بعد. 

الحروب الإسلامية

وتُعتبر أحداث فتح هذا الإقليم شبيهة بِأحداث فُتُوحات بلاد ما وراء النهر من عدَّة أوجه: فقد بدأ المُسلمون فُتُوحاتهم المُستدامة في هذا الإقليم سنة 89هـ المُوافقة لِسنة 708م، أي بعد أن بدأ قُتيبة بن مُسلم الباهلي فُتُوحاته لِبلاد ما وراء النهر بِسنتين اثنتين، وإن كانت اهتماماتهم بِفتح بلاد الهند ترجع إلى عصر الخُلفاء الراشدين. 

الحجاج بن يوسف الثقفي

وتمَّت فُتُوحات كُلٍ من إقليم ما وراء النهر وإقليم السند في ظل وحدة العالم الإسلامي التي حقَّقها الخليفة عبد الملك بن مروان الأُموي، كما كانت القيادة العامَّة لِلحملات العسكريَّة المُوجَّهة إلى كِلا الإقليمين مُوحَّدة، فالحجَّاج بن يُوسُف الثقفي هو الذي وجَّه تلك الحملات، وكلَّف قُتيبة بن مُسلم بِفتح بلاد ما وراء النهر كما كلَّف صهره وابن عمِّه مُحمَّد بن القاسم بِفتح إقليم السند. 

محمد بن القاسم

ولم يكن مُحمَّد بن القاسم قد تجاوز العشرين من العُمر لمَّا عُهد إليه بِفتح السند وعُيِّن أميرًا على تلك البلاد، فانتقل إلى مُكران وتمركز فيها، وجعلها نُقطة الانطلاق وقاعدة الفتح، وخرج منها إلى الديبُل، على ساحل بحر العرب، وفتح وهو في طريقه إليها عدَّة قلاع. ولمَّا وصل إليها حاصرها واقتحمها بعد ثلاثة أيَّام، وأعاد تخطيطتها وأسكنها بِأربعة آلاف من المُسلمين، وجعلها قاعدةً بحريَّة. وكان لِفتح هذه المدينة تأثيرٌ كبيرٌ على الوضع الداخلي لِلمُدن والقُرى المُجاورة، حيثُ هرع السُكَّان يعرضون الصُلح على المُسلمين.

الحروب القديمة

توجَّه مُحمَّد بن القاسم، بعد ذلك، إلى البيرون، الواقعة على الضفَّة الغربيَّة لِنهر السند، فصالحهُ أهلها، كما صالحهُ سُكَّان سربيدس وسهبان وسدوسان، وهي مُدن تقع على الضفَّة الشرقيَّة لِلنهر، ثُمَّ التقى الراجا داهر بن چچ بن سيلائج في مدينة مهران وانتصر عليه وقتله. 

إقليم السند

سيطر المُسلمون، بعد هذا النشاط الجهادي، على كامل إقليم السند ثُمَّ زحفت جُيُوشهم نحو الشمال الشرقي حتَّى وصلوا مدينة بُرهمناباد وقد لجأت إليها فُلُول جيش داهر بِقيادة ابنه «جيسيه»، فقاتلهم المُسلمون وانتصروا عليهم وفتحوا المدينة عنوة. وفرَّ جيسيه إلى الشمال، وتحصَّن بِالراور عاصمة السند، فلحقهُ المُسلمون وحاصروا المدينة مُدَّة أربعة أشهر قبل أن يفتحوها. وتابع القائد المُسلم زحفهُ حتَّى قطع نهر بياس، أحد روافد نهر السند، ووصل إلى المُلتان فحاصرها وفتحها عنوة، وأرسل فرقةً عسكريَّةً دخلت البيلمان وصالحهُ أهلُ سرست، وفتح الكيرج عنوةً.

 

أضحى وادي السند، بعد هذا الانتشار الإسلامي، في قبضة المُسلمين، فانصرف مُحمَّد بن القاسم إلى تنظيم أُمُور البلاد المفتوحة، والاستعداد لِلزحف نحو إمارة قنَّوج في شمال الهند، لكن أتاه نعي الحجَّاج ثُمَّ نعي الخليفة الوليد بن عبد الملك في سنة 96هـ المُوافقة لِسنة 715م وتولِّي أخيه سُليمان الخِلافة، فتوقَّفت العمليَّات العسكريَّة.

 

نشأة محمد بن القاسم

 

محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب الثقفي، يجتمع هو والحجاج بن يوسف في الحكم بن أبي عقيل.

 

ولد في عام 72هـ بمدينة الطائف في أسرة معروفة، فقد كان جده محمد بن الحكم من كبار ثقيف، وفي عام 75هـ عُين الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيَّنَ الحجاج عمَّه القاسم واليًا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل مُحمد بن القاسم إلى البصرة.

 

 نشأ محمد بين الأمراء والقادة: فَـوالِده أمير، وابن عم أبيه الحجاج أمير وأكثر بني عقيل من ثقيف قوم الحجاج أمراء وقادة، وكان لذلك الأثر الكبير في شخصية محمد. ثم بنى الحجاج مدينة واسط التي صارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وفي هذه المدينة وغيرها من العراق نشأ وترعرع محمد بن القاسم وتدرب على الجندية، حتى أصبح من القادة وهو لم يتجاوز بعد 17 عامًا من العمر.

 

قراصنة السند

 

استولى قراصنة السند من الديبل بعلم من ملكهم «داهر» في عام 90 هـ على 18 سفينة بكل ما فيها من الهدايا والبحارة والنساء المسلمات، اللائي عمل آباؤهن بالتجارة وماتوا في سرنديب وسيلان، فصرخت مسلمة من بني يربوع «وا حجاجاه، وا حجاجاه»، وطار الخبر للحجاج باستغاثتها.

 

وحاول الحجاج بن يوسف الثقفي استرداد النساء والبحارة بالطرق السلمية، ولكن «داهر» اعتذر بأنه لا سلطان له على القراصنة، فثارت ثائرة الحجاج، فأعد الحجاج جيشًا تلو الآخر، الأول بقيادة «عبد الله بن نهبان» فاستشهد، ثم أرسل الحجاج «بديل بن طهفة البجلي» فاستشهد أيضًا.

 

استشاط الحجاج غضبًا بعد أن رأى قوّاته تتساقط شهيدًا تلو شهيد، فأقسم ليفتحن هذه البلاد، وينشر الإسلام في ربوعها، فقرّر القيام بحملة منظمة، ووافق الخليفة الوليد بن عبد الملك، وبعد أن تعهد له الحجاج أن يرد إلى خزينة الدولة ضعف ما ينفقه على فتح بلاد السند.

الفتوحات

 

وقع اختيار الحجاج على محمد بن القاسم الثقفي ليقود الجيش الفتح؛ لما رآه فيه من حزم وبسالة وفدائية، فجهّزه بكل ما يحتاج إليه في ميدان القتال من عتاد، وتحرك محمد بن القاسم الثقفي بجيشه المكون من 20 ألف مقاتل من صفوة الجنود، فاجتاز الجيش حدود إيران في عام 90هـ إلى الهند، وبرزت مواهب محمد بن القاسم الفذة في القيادة وإدارة المعارك، فحفر الخنادق، ورفع الرايات، والأعلام، ونصب المجانيق، ومن بينها منجنيق يقال له: العروس كان يقوم بتشغيله خمسمائة، تقذف منه الصخور إلى داخل الحصون فيدكها دكًّا.

 

مدينة كراتشي

 

بعد ذلك اتجه نحو بلاد السند، فبدأ بفتح مدينة بعد مدينة لمدة سنتين، ثم زحف إلى الديبل «كراتشي حاليا»، فخندق الجيش بخيوله، وأعلامه، واستعد لمقاتلة الجيش السندي المكون من 50 ألف مقاتل، بقيادة الملك «راجا داهر» حاكم الإقليم، في معركة مصيرية عام 92هـ،، فانتصر المسلمون، وقُتل ملك السند في الميدان، وسقطت العاصمة السندية في أيدي المسلمين.

 

فتح مدينة الكيرج «مومباي حاليًا»

 

تابع محمد بن القاسم تقدمه في بلاد السند، وخضعت له مدنها، ولم يبقى أمامه إلا قوة الملك “دوهر” ملك الكيرج، فأرسل محمد بن القاسم الغنائم إلى الحجاج، وكانت ضعف ما أنفقه فقال الحجاج: (شفينا غيظنا، وأدركنا ثأرنا، وازددنا (60) ألف ألف درهم ورأس داهر).

 

مات الحجاج بن يوسف الثقفي في عام (95هـ) أثناء معركة الكيرج، واستطاع فيها المسلمون بقيادة محمد بن القاسم الانتصار وقتل ملك الكيرج “دوهر”، ولكن استمر محمد بن القاسم الثقفي في فتوحاته لبقية أجزاء بلاد السند، ونجح في بسط سلطانه على إقليم السند، وفتح مدينة الديبل في باكستان، وامتدت فتوحاته إلى ملتان في جنوب إقليم البنجاب، وانتهت فتوحاته عام 96هـ عند الملتان، وهي أقصى ما وصل إليه محمد بن القاسم من ناحية الشمال، فرفرف عليها علم الإسلام، وبذلك قامت أول دولة إسلامية في بلاد السند والبنجاب (باكستان حاليًّا).

الجريدة الرسمية