رئيس التحرير
عصام كامل

"أردوغان" و"أبي أحمد".. تحالف "مكايدة القاهرة".. تركيا تخطط للسيطرة على القرن الإفريقي.. والسودان يرفض "وساطة أنقرة"

أردوغان وأبي أحمد
أردوغان وأبي أحمد تحالف "مكايدة القاهرة
«جبهة جديدة.. وخسارة متوقعة».. العنوان الأقرب لوصف التحركات التي يُقدم عليها النظام التركي بقيادة رجب طيب أردوغان، فيما يتعلق بألاعيبه ضد مصر، فبعد تأكد خسارته المعركة على الجبهة الليبية، وقع اختيار «أردوغان» على جبهة ثانية في عمق القارة الإفريقية، محاولًا من خلالها إعاقة تحركات القاهرة، تمثلت هذه الجبهة في إثيوبيا، التي تشهد علاقتها مع تركيا تقاربًا على مدار الأشهر الماضية، والذي بدأ مع مرور الوقت يتخذ شكل التحالف الموجه ضد مصر والسودان.


تحالف أردوغان وآبي أحمد

وجاء مؤخرا إعلان «أديس أبابا» رغبتها في إقحام «أنقرة» في بعض ملفاتها الأمنية الإقليمية، فجاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، في حكومة أبي أحمد، أن بلاده ستشعر بما وصفه بـ«الامتنان» في حال توسطت تركيا بينها وبين السودان من أجل حل ما أطلق عليه «النزاع الحدودي» القائم، في محاولة للتلاعب بالحقائق.




الدبلوماسي الإثيوبي عبر عن رغبة بلاده في تعزيز العلاقات الثنائية مع تركيا في المجالات الأمنية والاقتصادية، وذلك خلال حضوره للاحتفال بالذكرى 125 لتأسيس العلاقات الثنائية الدبلوماسية، من خلال مراسم افتتاح سفارة جديدة للثانية في العاصمة أنقرة، بمشاركة وزيري خارجية البلدين، مولود تشاووش أوغلو، وديميكي ميكونين.

وعلى مدار الأشهر الماضية، تطورت العلاقات بين إثيوبيا وتركيا بشكل كبير، نظرا لتلاقي المصالح بينهما، وتجلى ذلك من خلال الاتصالات المتوالية بين المسئولين من الجانبين والزيارات المتعاقبة، رغم أنه في العام الماضي كشف جهاز المخابرات والأمن الوطني الإثيوبي، عن إحباط أكبر محاولة لتهريب الأسلحة التركية إلى داخل إثيوبيا.

وأكد الجهاز –وقتها- أن عملية التهريب استهدفت إثارة الاضطرابات داخل البلاد، بعدما تم شحن الأسلحة في حاويتين من ميناء مرسين في تركيا إلى ميناء جيبوتي، لكن سعي «أدوغان» لتوسيع نفوذ بلاده، بعد فقدان حليفه السابق في السودان عمر البشير، وجد صدى لدى إثيوبيا التي تسعى أيضا لعقد تحالفات تدعمها في مواجهة موجة الانتقادات الدولية المتوالية لجرائم حقوق الإنسان التي ترتكبها في إقليم تيجراي.

القرن الإفريقي

كذلك تسعى تركيا لاستخدام إثيوبيا من الناحية الاقتصادية، على اعتبار أن الأخيرة تمثل لأنقرة سوقا استهلاكيا كبيرا، وموقعها يسمح للأولى بمواجهة السودان خاصة وأنها تسعى لاستعادة نفوذها بداخلها.

وكذلك خدمة أغراضها المتعلقة بمحاربة المصالح الإستراتيجية المصرية، وجدير بالذكر هنا أن الاستثمارات التركية في إثيوبيا تصل إلى ما يقارب 2.5 مليار دولار، بما يعادل نصف الاستثمارات الخاصة بها في إفريقيا، وتستعين إثيوبيا بخبراء أتراك في مختلف المجالات، ومنها مجال الأمن المائي.

ومن وقت لآخر يعلن السودان ضبط شحنات أسلحة تركية مهربة لبيعها إلى الجماعات المسلحة، وتتنوع الضبطيات بين الأسلحة الخفيفة كالطبنجات التركية، والمتوسطة بجانب كميات مهولة من الذخائر، وهي عمليات يقف وراءها، بحسب محللين، الخلايا الإخوانية الموالية لأنقرة، والتي عمدت إلى زعزعة استقرار الحكومة الانتقالية ومجلس السيادة، نتيجة لإبعادهم عن الساحة.

شحنات السلاح

وفي 6 يوليو الماضي، تم ضبط 467 قطعة سلاح تركي في طريقها عبر الحدود إلى إثيوبيا، ثم في 23 يونيو الماضي، كشفت الاستخبارات العسكرية بولاية القضارف شرقي السودان، عن كميات من الأسحلة والذخائر مهربة في طريقها إلى إثيوبيا، وتم القبض على ستة متهمين، وكانت شحنة السلاح عبارة عن 25 بندقية كلاشنيكوف و80 مسدسًا، وكميات من ذخائر الدوشكا والكلاشنيكوف.

وفي أغسطس الماضي أعلنت الشرطة السودانية إحباطها محاولة تهريب شحنة أسلحة تركية محلية الصنع بولاية القضارف أيضا، وضبطت 455 مسدس.

وفي هذا السياق قال محمد ربيع الديهي، الباحث في العلاقات الدولية: يتمثل الوجود التركي في دول القرن الإفريقي في الإطار العسكري، فضلا عن أن إثيوبيا تتخذ تركيا كقدوة لها في ملف المياه التي ترفض في البلدين الاعتراف بالحقوق المائية لدول المصب وتروج لمصطلح أنهار عابرة للحدود وليس أنهار دولية كما هو معروف بهدف إضاعة حقوق باقي الدول في المياه.

مكايدة سياسية

وأضاف الباحث في العلاقات الدولية: الدور التركي في هذه الأزمة سوف يؤدي في النهاية إلى تأجيج الأزمة بين إثيوبيا والسودان، لا سيما وأن تركيا ترغب في التواجد داخل السودان بعد رفض الشارع السوداني حكم الإخوان، فضلا عن رفض السودان لبيع جزيرة سواكن للطرف التركي، ومن هنا فالدور التركي في هذه الأزمة لن يكون محايدا بل سوف يستغله الطرفان من أجل تأجيج الأزمة وكسب مصالح خاصة بأنقرة في الإقليم.

وهو الأمر الذي ربما يضع الدولتين أمام صدام مسلح لا يحمد عقبة فتركيا ليست بالطرف النزيه أو المحايد للعب هذا الدور، وإثيوبيا تدرك جيدا أن الحضور التركي في ملف الأزمة بينها والسودان سوف يعيق أي عملية سلام أو تفاوض بين البلدين، فدعوة تركيا للحضور في الأزمة هو من باب المكايدة السياسية للدول العربية الكبرى.

كما أن إثيوبيا تدرك أن الحضور التركي الآن بات مرفوضا للغاية وأن تركيا هي من مولت الميليشيات والإرهاب في ليبيا، وكذلك دعمت عدم الاستقرار في سوريا واليمن ناهيك عن دعم الإرهاب في دول إفريقية أيضا.

«الديهي» أشار أيضا إلى أن «تركيا سوف تستخدم هذا الملف لمكايدة مصر وبعض الدول العربية، ولكنه لن يكون ملفا موفقا أو ناجحا في إفريقيا لتركيا لأنها باتت كل يوم تزيد من عداء العرب لها وكذلك الأفارقة برغم استخدام أنقرة للمساعدات الإنسانية في الدول الإفريقية، لكنها فشلت في كسب ود الشعب الإفريقي الذي بات يتأكد كل يوم أن ما يقدم من مساعدات إنسانية له من قبل تركيا تسبقه أفعال إرهابية وقتل مدعومة من أنقرة.

فضلا عن نهب ثروات الشعوب هناك وفرض الثقافة على هذه الشعوب، ففي دول القرن الإفريقي تسهم تركيا بعدد كبير من المدارس وتفرض تعليم اللغة التركية في تلك المدارس بهدف تغيير ثقافة الشعوب الإفريقية.

السودان يرفض

لكن يجب أن نشير هنا أن عدم كون تركيا طرف محايد في هذه الأزمة سوف يجعلها تفشل في حلها، كما أن طموح تركيا في السودان لن يتحقق والنظام التركي يدرك ذلك لعدة أسباب أولها رفض الشعب السوداني كغيره من بقية الشعوب العربية والإفريقية للدور التركي، هذا إلى جانب أن السودان أمن قومي مصري ولو حاولت تركيا أن تهدد أمن السودان فسوف تجد موقفا مماثلا للموقف المصري في ليبيا».

وتابع: من المؤكد أن الدول الكبرى في المنطقة تتعامل مع الدول الأخرى بمبدأ احترام الشأن الداخلي للدول وعدم التدخل في الشئون الداخلية له، إلا إذا دعت إلى ذلك أو كان دفاعًا عن الأمن القومي له وهي الأمور التي أجازها القانون الدولي، لذلك فالدول العربية الكبرى سوف تتحرك للتنسيق مع الجانب السوداني في موقفه وفي حل الأزمة مع إثيوبيا.

لكن سوف نشهد موقفا حاسم في هذه الأزمة في حال قررت تركيا تجاوز حدود حل الأزمة، واستخدمتها لتهديد الأمن القومي العربي وكذلك تهديد أمن السودان، لكن في حال التزام تركيا بقواعد الحل السلمي للأزمة وعدم استخدامها للضغط على السودان أو تحقيق مكاسب في العمق السوداني في حال حدوث غير ذلك سوف يكون الموقف العربي حازما لمواجهة أنقرة ووساطتها.

في السياق ذاته قال محمد حامد، رئيس منتدى شرق المتوسط للدراسات: تركيا غير مؤهلة من قبل السودانيين لتقود وساطة بينها وبين إثيوبيا، هذا فضلا عن أنها كانت حليفة لنظام البشير الذي أسقطته الثور، وتركيا نفوذها الآن يتقلص داخل السودان.

ويتم تقليص كل النفوذ الذي زرعه أردوغان خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وتقليل حجم استثماراتها ورفع استحواذها على جزيرة سواكن.

وأضاف: لا توجد مكاسب فعلية لتركيا من الدخول في تلك الوساطة -إن حدثت- سوى الاستعراض السياسي والاستعانة بوساطة من خارج القارة تهدف إل الكيد السياسي ومضايقة القاهرة التي تعتبر حليقة السودان، وهذا يفسر أسباب اختيار إثيوبيا لتركيا من أجل الوساطة.

«حامد» أوضح أن عمليات تهريب السلاح في السودان أو إثيوبيا تهدف لبيعه إلى جماعات وميليشيات مسلحة عبر وكلاء وتجار سلاح يعملون بتجارة السلاح التركي، خاصة وأن تركيا لديها قاعدة عسكرية في الصومال وهناك الكثير من رجال الأعمال الذين يتاجرون في السلاح في أماكن الصراعات والأزمات مثل كينيا والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا، كما أن الميليشيات المسلحة لديها آلاف الدولارات لتشتري وتتسلح، ولكن عمليات البيع تقتصر على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وليست الأسلحة الإستراتيجية.

وأكمل: الحضور التركي في المشهد بشكل عام هدفه الكيد السياسي للقاهرة التي تحالفت مع قبرص واليونان ضد تركيا في شرق المتوسط، فهي تحاول الرد من خلال التحالف مع إثيوبيا وجيبوتي والصومال في ملف شرق القرن الإفريقي، ووجدنا التحفظ الصومالي الجيبوتي على بيان الجامعة العربية الذي دعم القاهرة في حقوقها في المياه.

ووجدنا أن إثيوبيا تستعين بتركيا ورأينا زيارة ولاتو تيشومي ويرتو، الممثل الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، إلى تركيا بعد الملء الأول في خطوة استفزازية للقاهرة، وأصبح البلدان ينسقان في ملف المياه بهدف كيد القاهرة، وكان آخرها افتتاح وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين، مبنى السفارة الإثيوبية الجديدة في أنقرة بحضور وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو.

نقلًا عن العدد الورقي...
الجريدة الرسمية