رئيس التحرير
عصام كامل

مخطط الانتقام من "مطاريد الإخوان".. الملاحقة الأمنية لعناصر الجماعة.. والحرمان من الجنسية التركية أهم أسلحة الرئيس التركي

رجب طيب أردوغان
رجب طيب أردوغان

‏«المصلحة».. المصطلح الوحيد الذي يحكم تحركات جماعة الإخوان الإرهابية، ووفقًا لهذا المصطلح تتحرك وتبرم الاتفاقيات وتدير التحركات، وحسب المكان الذي توجد فيها مصلحتها تأتي ردود الأفعال الإخوانية، فلا مانع أن تصطدم «الإخوان» مع أقرب أصدقائها أو حلفائها مادامت مصلحتها أصبحت بعيدة عنه.



انقلاب متوقع

وهو ما حدث فعليًا خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي شهدت ما يمكن وصفه بـ«الانقلاب المتوقع»، وذلك بعدما وجه الحليف الأكبر لـ«الجماعة» الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ضربة قوية إلى جسد «الإخوان» المُنهك، بعدما عمدت الأخيرة إلى اللعب من وراء ظهره، والتحرك بعيدًا عن سطوته وأجهزته الأمنية.

«أردوغان» فور علمه بتفاصيل «خداع الإخوان» أصدر توجيهاته لأجهزته الأمنية بـ«شد أذن» الجماعة، حيث ألقى الأمن التركي القبض على 23 من أعضاء جماعة الإخوان، وهذا لم يكن التحرك الوحيد، فقد سبقه رفض حكومة «أنقرة» منح الجنسية لنحو 50 من أعضاء وقيادي الإخوان، وجرى تسريب الخبر لجهات إعلامية معادية للجماعة في المنطقة حتى يمسك العصا من المنتصف.

ويسعى «أردوغان» من وراء قراراته السابقة إلى «ضرب عصفورين بحجر واحد»، فمن ناحية يضغط على قيادات الجماعة ويمارس عليهم إرهابا فكريًا وتنظيميا يعيدهم إلى حظيرته، ومن ناحية أخرى يخدع المجتمع الدولى بمثل هذه الإجراءات التي تُسوق تركيا باعتبارها دولة قانون ولا مكان للتنظيمات الإرهابية على أرضها، بما فيها الجماعة التي تعمل ليل على نهار على إعادة إحياء العثمانية، ولا تدخر جهدا في تلميع صورة «أردوغان» باعتباره المخلص الذي تنتظره الأمة الإسلامية بأسرها.

انتقام أردوغان

وبحسب تفاصيل الكواليس التي حصلت «فيتو» على جزء كبير منها، فإن المعتقلين في تركيا أجروا اتصالات مع دول أخرى لتوفير ملاذات آمنة لأعضاء الإخوان من مصر واليمن وسوريا، وذلك بالتنسيق مع قيادات تنظيم الإخوان الدولي الذي يعمل بنشاط واضح منذ بداية العام الماضي.

ورصدت أجهزة المخابرات التركية تواصل «الجماعة» مع وكالات إغاثية ومنظمات تابعة للتنظيم في بعض الدول الأوروبية لتسهيل إيواء وتدريب وملاذ آمن الأعضاء دون تنسيق مع الدولة، وهو ما أشعر «أردوغان» بأن الإخوان قد تصبح يوما ما، نموذجا ثانيا من حركة «الخدمة» المعروفة أيضا بـ«جماعة جولن» نسبة إلى الداعية التركي فتح جولن، المقيم حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي شكلت حركته تهديدًا لمشروعه الشخصي، لهذا سعى بكل قوة لإزالتها من الوجود.

ويعرف «أردوغان» وأعضاء حكومته أن اعتقال القيادي المؤقت للإخوان محمود عزت من قبل السلطات المصرية نهاية أغسطس 2020 وجه ضربة قوية للجماعة، لا سيما أنه كان العقل المدبر والمسئول عن شئونها الداخلية خلال السنوات السبع الماضية، لكنه في الوقت نفسه نسج علاقات وثيقة مع الجناح المسلح للحركة في جميع دول العالم، ولم يتوقف عند حد تنسيقات المخابرات التركية بل تخطاها في أحيان كثيرة.

دور محمود عزت

«عزت» خلق وتشكيلاته ارتباطات قوية بين فلول الحركات الإرهابية في مصر مثل «حسم» و«لواء الثورة»، وقادة الجماعة في تركيا وأغلب دول العالم، كما حاول خلال سنواته التي حكم فيها التنظيم توفير تمويل ذاتي للجماعة حتى يأمن تقلبات السياسة التركية وغدر «أردوغان» نفسه إذا ما قرر الأخير الانقلاب عليهم حال اختلاف الأجندات، كما سبق وأن حدث مع عبد الله جولن.

محمود عزت واللوبي المناصر له، كانت لديهم أيضا رغبة في الاحتفاظ بقدر من الخصوصية للتنظيم تقلق أردوغان، لا سيما وأن الجماعة تحتفظ بالفعل بخطوط خارجية في تمويلها، وربما يؤكد ذلك القبض على رءوس اقتصادية كبيرة في مصر مؤخرًا، كانت تحوم حولها الشبهات في الارتباط الخفي بالجماعة، منذ أن تحالفت معها خلال وجودها في الحكم عام 2012، وقد يكشف استجواب محمود عزت داخل مصر تفاصيل كثيرة عن ذلك.

وبحسب مصادر تواصلت معها «فيتو» فإن إلقاء القبض على «عزت» كان بداية اشتعال أزمة الخلاف داخل الإخوان من ناحية، والخلاف مع الحكومة والنظام التركي من ناحية أخرى، ويعتبر تعيين إبراهيم منير، العقل المدبر للتنظيم الدولي لـ«الإخوان» ـ على رأس الجماعة، من أهم شواهد إصرار الجماعة على الاحتفاظ بقدر من خصوصيتها في التمويل، ولهذا دأبت القنوات الممولة من تركيا على مهاجمته.

والمثير في الأمر هنا أنه أيضا بعد تغير الموازين في الانتخابات الأمريكية، والمفاجأة التي حققها جو بايدن بالتغلب على الرئيس دونالد ترامب، بدأت الجماعة تلعب في الخفاء وباستقلالية قليلا عن القبضة التركية، لا سيما وأن إبراهيم منير نفسه يقيم في لندن، ولا يقع نسبيا تحت سيطرة المخابرات التركية، وهو ما يسمح له بهامش من الحرية، هذا فضلًا عن شعور «الإخوان» براحة كبيرة من إمكانية تغير نظرة الإدارة الأمريكية الجديدة لهم، وعدم سعيها لإدراجها على جداول الإرهاب.

خلال أنقرة والإخوان

وبخلاف ذلك، تؤكد المصادر أنه هناك تحديات أخرى كانت سببا لتزايد الخلاف بين أردوغان والإخوان، وربما يزيد الخلاف في المستقبل القريب، على رأسها انهيار التنظيم في مصر وتدمير قدرة أذرعه الداخلية والخارجية على العمل بكفاءة، فلم يعد بإمكانهم التأثير على الاستقرار وتنظيم الاحتجاجات الجماهيرية.

كما كان يحدث في بداية إسقاط محمد مرسي، وهو ما انعكس على إضعاف تأثيرها السياسي في كل مكان بالعالم، كما يدرك «الإخوان» جيدًا أن علاقة أردوغان بالجماعة لم تكن دائما على وتيرة واحدة منذ تقوية هذه العلاقة وظهورها للعلن في تركيا بتأسيس اتحاد المنظمات غير الحكومية في العالم الإسلامي (UNIW)، والذي دشن بقرار من مجلس الوزراء ـ أردوغان ـ في ديسمبر 2005، وأصبح الهيكل الذي يوسع نفوذ الإخوان في العالم.

مع الأخذ في الاعتبار أن مثل هذه الخطوة تبعها إنشاء العديد من المنظمات التي أصبحت مثل السرطان في العالم، لكن هذا النفوذ كان له دائمًا شرط واحد، الإخلاص غير المشروط لـ«أردوغان»، وبالتالي عندما يفقد جزءا كبيرا من التأييد الشعبي له في تركيا بسبب انقسام حزبه وتأسيس أحزاب جديدة والأزمة الاقتصادية، على الجماعة التراجع والتعامل وفق هذا التحديات، وليس جلب أزمات إضافية له من خلال العمل بمفردهم.

هذا إلى جانب أن التدخل في المنطقة والتوسع الذي زينه الإخوان للخليفة جلب على تركيا كوارث لايعرف كيف يخرج منها، بعدما وضعت تركيا في مواجهة تهديدات وأزمات لاتنتهي.

وفي هذا السياق قال عبد العزيز السواط، الكاتب والباحث في شئون الجماعات الإسلامية: الإخوان لا ترى في النهاية إلا صالح التنظيم وأيديولوجيته، كما أنها تستغل الأحداث بما يناسب مصالحها دون غيرها، والجماعة أنتجت أيديولوجيا عدوانية منحازة للتطرف، تحترف الأكاذيب وتسوقها أينما كانت بعيدا عن ‏حقيقة الأحداث، وهذا هو الجوهر الذي يحكم تعاملاتها حتى مع أقرب حلفائها، ولن تستثن أحد من ذلك على حد قوله.

وبدوره.. أوضح محمد صبح، الباحث والمحلل السياسي،أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، انحرف عن مبادئ السياسة الخارجية التي تبناها ‏ابتداء من 2011، وانقلب عليها تماما، والسر في ذلك يعود للإخوان.

وشدد «صبح» أيضا على أن سياسة أردوغان، تحولت إلى سياسة عدائية تقوم على تشكيل محور يضم في إطاره قطر وتنظيمات جماعة الإخوان ‏الإرهابية في الدول العربية، بهدف إثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار في هذه الدول، وتغيير أنظمة الحكم فيها، مؤكدًا أن «تركيا أصبحت على يقين أن الإخوان تشكل خطورة بالغة على أمن البلدان العربية بأكملها، وهي سياسة انزلق إليها أردوغان وتحكم الخناق عليه الآن».

نقلًا عن العدد الورقي...،

الجريدة الرسمية