رئيس التحرير
عصام كامل

الخبز والملح والزاد

وسط عالم اللا معقول الذي نعيش فيه، ومن يتنكر لنا وينسى أفضالنا بعد أن يلجأ إلينا ونمد له يد العون، بتنا بحاجة ماسة إلى الأخلاق الحميدة، ومنها قصة "الخبز والملح والزاد".


في قديم الزمان، دخل رجلُ غريب إلى مطعم في الشام وطلب رغيف خبز، أكل نصفه وترك النصف الآخر على الطاولة وخرج، وكان يأتي كل يوم ويفعل الأمر نفسه، فانتبه الى تصرفه رجلُ من أهل الشام فاقترب منه، وبعد السلام والتحية، سأله بكل أدب: أخي لماذا تأكل نصف الرغيف كل يوم وتترك نصفه، ومن أين أنت أتيت؟


فرد الرجل أنا من بغداد، ودرت كثير من بلدان العرب ولم أجد للأسف من يحفظ الخبز والملح والزاد. فأنا أحرص على أكل نصف الرغيف فقط، ولا أجد من يستاهل أن يأكل نصفه الثاني.

 

حاكم المطيري خادم أردوغان و"الإخوان"


قال له الرجل الشامي: إذاً انت اليوم معزوم عندي في البيت... وجاء الموعد، وكان الشامي يعيش في بيته مع أمه وابنة عمه المتوفى، التي يحبها وأوشك الزواج بها.

 

جاء البغدادي وطرق الباب، ففتحت له ابنة عم الشامي، ولما رآها فتن بها وبعد الغداء قال البغدادي للشامي: أريد أن أستحلفك بالخبز والملح والزاد ألا ترد طلبي من الفتاة التي فتحت الباب.


رد الشامي: إنها ابنة عمي ووالدها متوفى.


قال الضيف: أريد أن أتزوجها. لم يستطع الشامي الرفض، أو حتى توضيح الأمر، فقال لضيفه مع أنه يحبها: هي لك؟


سافر البغدادي مع عروسه ليعيشا في بغداد. بعد فترة من الزمن ماتت أم الشامي، وفقر الرجل فاضطر لبيع بيته، ليأكل بثمنه وقلت النقود، ولم يبق عنده إلا شيء يسير، فقرر أن يسافر إلى صديقه وزوج ابنة عمه في العراق، وحين وصل بغداد علم أن صديقه البغدادي أصبح من أثرياء المدينة ولديه قصر فيها، فتوجه إليه وطلب من الخادمة مقابلة صديقه صاحب القصر، فعادت الخادمة تحمل كيسا من النقود الذهبية وأعطته إياه.

 

 "قيصر" يخنق سورية

 

فقال لها: أنا أريد مقابلة صديقي أبو فلان ولا أريد مالا، ورمى كيس النقود، فانفرطت الليرات الذهبية على الأرض وذهب والدموع تملأ عينيه.


اكتشف الشامي أن نقوده نفدت، ولم يعد معه ثمن العودة إلى الشام، فأصبح ينام في الشوارع وليس لديه شيء سوى الصلاة والدعاء للباري عز وجل أن يفك كربه ويلهمه الصواب.


لم تمر أيام حتى أتاه رجل كبير وسأله عن حاله، فقال إني لا أجد قوت يومي وشكا له كل قصته.. فعرض عليه الرجل أن يعمل معه في التجارة، وفعلا بدأ الرجل الشامي يعمل بالتجارة، وتعلم جميع أسرارها وأصول الأسواق، وكل ما يفيده في عمله، إلى ان أصبح الشامي في ثلاث سنوات من العمل الدؤوب، من أثرياء بغداد وبنى قصرا كبيرا ينافس قصر صديقه.


ذات يوم، جاءت امرأة كبيرة وطلبت من الشامي أن تعمل على خدمته في القصر مقابل معيشتها فوافق، وكانت له أماً حقيقية، وبعدها قالت له إن هناك فتـاة فقيرة تريد العمل معها في القصر، فوافق بقلبه الطيب، وبدأت المرأة تزين الفتاة وتلبسها الثياب الجميلة إلى أن رآها الشامي صاحب القصر وتعلق بها وأحبها وطلب الزواج منها، وسهلت له الأمور المرأة الكبيرة وتحدد موعد الزفاف في القصر، وتم دعوة كبار التجار والأثرياء إلى الحفل، لكن فجأة دخل الرجل البغدادي قصر صديقه الشامي ليلة الزفاف، رغم عدم دعوته.

 

 هل تدعم القوة الناعمة المجتمع؟!


قال له الشامي معاتبـاً أتيت لزيارتك، فبعثت خادمتك بكيس النقود الذهبية، وكأني متسول والآن ماذا تريد، وحاول أن يطرده من حفل الزفاف.


فرد عليه البغدادي: عندما أبلغتني الخادمة، نظرت من شباك القصر ورأيت حالك التي أتيت بها، فأرسلت لك النقود لتصلح بها حالك أمام ابنة عمك، التي زوجتني إياها وأنت كنت تحبهـا، وحين وجدت أن كرامتك أبت عليك أخذ النقود احترت ماذا أفعل من أجلك..

 

لكن هل تعلم من الرجل الكبير الذي علمك أصول وأسرار التجارة إنه أبي.. والمرأة التي تخدمك في بيتك حتى الآن هي أمي، واليوم أنا جئت إلى قصرك لأحضر عرس أختي التي ستتزوجها.


ثم أشار البغدادي بيده، فدخلت ابنة عم الشامي تجر في يدها طفلا وطفلة، واقتربت من ابن عمها الشامي، وجلست عند قدميه وجاءت العروس فجلست قربها، وجلس البغدادي معهم وكذلك فعل الشامي، وهنا أخرج البغدادي من جيبه نصف رغيف وقسمه على الجميع.. فأكلوه.


إنه الخبز والملح والزاد، ومن الأخلاق الحميدة ألا نلقي حجراً في البئر الذي شربنا منه، وكم نحنٌ بحاجة في هذا الزمن لمن يحفظ خبزنا وملحنا وزادنا.


الجريدة الرسمية