رئيس التحرير
عصام كامل

فكري أباظة يكتب: بيوت العز لإفطار الشحاتين

الصحفى الساخر فكرى
الصحفى الساخر فكرى أباظة
18 حجم الخط

فى مجلة المصور عام 1948 كتب الصحفى الساخر فكرى أباظة مقالا رمضانيا ضمته دفتى كتابه “حواديت“ قال فيه: قرب شهر الصوم على الانتهاء وقد أصبحت القاهرة مثل شهر زاد تنام بالنهار كله لتصحو الليل كله صحيح تغيرت الأحوال وأصبح السهر فى البيوت.

 

فلو مررت فى حوارى البلد أثناء النهار لهالك الأمر ، كل شيء نائم حتى القطط والكلاب ، ولا يبدو على البلد شيء من النشاط إلا بعد الظهر وقرابة المغرب.. هنالك تفتح المحال التجارية أبوابها وتمتد فيها الحركة ويخيل للإنسان أن البلد ولد من جديد.

وأضاف: “المساجد عامرة بالمصلين ، ولو مررت بمسجد الحسين لرأيت العجب العجاب.. مئات الناس جالسين فيه بملابسهم المنزلية وكأنهم فى بيوتهم ، هؤلاء الناس يقيمون هذا الشهر كله فى المسجد يصلون ويتلون الأوراد ويشتركون فى حلقات الذكر ، أحضر كل منهم لوازمه فى صندوق صغير وضعه جانبه ، وتحول المسجد إلى خان كبير ، وأصبح صحن المسجد عند الميضة أشبه بالسوق.

باعة من كل صنف يبيعون كل شيء من الجرجير إلى الكراسى المطعمة بالصدف ومن شيلان الكشمير والسبح والطواقى إلى السيوف والأهم من ذلك ملابس العيد.. أقبلت ساعة الإفطار.. هاهم المؤذنون يؤذنون للمغرب على أبواب المساجد وفوق المآذن ، الأولاد يتصايحون والسكون يخيم على البلد من جديد ، فقد تجمع الناس حول موائد الإفطار حتى المعدمون والشحاذون والدراويش والمجاذيب.. أولئك الذين يعيشون مع الله دون عمل.. هؤلاء قدمت لهم الموائد الكبيرة فى ردهات بيوت الأغنياء وأمامها فيما يسمى بموائد الرحمن.

فكرى أباظة يحكى ذكرياته تحت القبة

 

وأوضح: “هذه البيوت التى كانت تسمى إذ ذاك منازل العز فى حوارى السكرية والجودرية ، والمشهد الحسينى وسوق السلاح ، كل واحد من هؤلاء الشحاذين والدراويش مكان معروف على مائدة الكبراء يتناول فيه إفطاره وهو يجلس إلى مكانه من الطبلية مع المغرب يقوم عليه الخدم ويشرب الماء المحلى بماء الورد والسكر ، ويأكل الرقاق والقطايف ويشرب القهوة ثم تقدم له الشيشة فيملأ منها رأسه ، وإذا فرغ من الطعام يتمشى فى المسجد لكى يصلى العشاء ، ثم يعقبها بعشرين ركعة من التراويح.. فإذا انتهت التراويح عاد البشر إلى النفوس وغادرتها هموم الصوم ومضى كل إلى حيث يقضى سهرة ممتعة تمتد حتى ساعة السحور ..وهذه السهرات أصناف وألوان..فالنمضى مع الناس من ناحية إلى ناحية حتى ننعم بشيء من متاع رمضان الكريم.

فى المقهى جلوس على دكك خشبية وقد جلس بينهم الشاعر ممسكا بالربابة ينشد حكايات أبو زيد الهلالى.. وسط السهرة يظهر من بعيد صوت المسحراتى بفانوسه المضيء يطوف شوارع الحى يقف عند كل باب وينادى صاحبه باسمه ويدعو له بطول العمر واصحى يا نايم..وحِّدْ الرازق.. رمضان كريم.

الجريدة الرسمية