رئيس التحرير
عصام كامل

"قضية الموت" تتجلى مجددًا فى "إبداعات الثقافتين" الغربية والعربية

الكاتب بيتر ستانفورد
الكاتب بيتر ستانفورد
18 حجم الخط

سواء في الثقافة الغربية أو الثقافة العربية تبدو قضية الموت جاذبة لكثير من المثقفين والمبدعين وأصحاب الأقلام وهو ما تجلى في عدة أعمال في الآونة الأخيرة بقدر ما ترتبط القضية الملغزة بالزمن والمكان والذكريات.

هاهو هاجس الموت يتجلى في كتاب: "كيف تقرأ مقبرة" للكاتب بيتر ستانفورد وهو كتاب يبعث على التأمل بالفعل في قضية الموت الملغزة في الغرب كما في الشرق فهل تساعد القبور في فهم الإنسان المعاصر للقضية أم تزيده حيرة.
فكرة الكتاب وعنوانه بالكامل: "كيف تقرأ مقبرة؟.. رحلات بمعية الموتى" ولدت في ذهن الكاتب والصحفي بيتر سانفورد عندما كان يلهو مع أطفاله ويلبي في خضم اللهو كل طلباتهم الطفولية مثل امتطائه والركوب على ظهره أو أن يقلد بعض الدواب ولعل ستانفورد الذي ولد عام 1961 استرجع طفولته وتكرار المشاهد الطفولية بين الأبناء والآباء وتعمق بعقله الفلسفي في فكرة الخلود من خلال الذرية وقضية الموت.

ومع ذلك ولأنه صحفي في المقام الأول فقد حرص بيتر ستانفورد على إجراء مقابلات مع زوار المقابر في بريطانيا، وخاصة من الشباب وقالت له شابة بلجيكية إنها تزور قبر المغني الراحل جيم موريسون لشعورها بحنين دائم لهذا المغني الذي قضى مبكرا عام 1971 ومازالت أغانيه تحظى بإعجاب شباب لم يعاصروه.

لا ينفي بيتر ستانفورد شعوره بالارتياح عند زيارة المقابر حيث تهون مصائب الدنيا وتتراجع مشاكلها كثيرا، لأنه يزداد يقينا بأن الحياة لن تدوم ومصير الإنسان اقترن مآله بهذا القبر مهما فعل فيما تتوالى دورات الميلاد والموت غير عابئة ولا مكترثة بأي آلام لهؤلاء البشر.

الكتاب عميق وطريف في آن واحد وتضمن معالجات تاريخية للمقابر وتطورها والتباين في أنواعها وطرق بنائها بما يعبر عن تباين اجتماعي-اقتصادي في الحياة، ناهيك عن المعتقدات، فضلا عن هؤلاء الذين كتب عليهم في هذه الدنيا ألا يجدوا قبورا وأن يتركوا الأمر للظروف عندما يحل القضاء.

لكن كل هذه التفاصيل لا تجيب عن قضية الموت وإنما للمفارقة توميء لاختلافات البشر أثناء الحياة والفروق والتفاوتات بينهم على مستويات متعددة.. ومع ذلك هل هناك شاهد مادي للموت أكثر من المقابر.. كلنا سنموت كما يقول مؤلف الكتاب وكما يقول عادة أي شخص في شوارع لندن أو القاهرة وفي كل مكان من هذا العالم الواسع ومع ذلك فهناك استثناءات أو رؤى مغايرة للموت تبعث على التأمل.

الفنان الأسمر ادريان، نيكولاس ماثيوس، الشهير باسم " تريكي"، والذي ولد في إنجلترا واستقر في باريس وهو وصاحب الألبوم الغنائي الجديد "أصنام باطلة" لا يصدق أن الموت موجود فيما كان الفنان المصري محمد صبحي قد تساءل يوما ما عن ماهية الموت وما إذا كنا نحن الأحياء لا نمتلك الحواس الكافية لرؤية من نعتقد أنهم ماتوا وهم في الحقيقة يعيشون معنا بطريقة لا ندركها.

على نحو مشابه لما يقوله محمد صبحي-يتحدث "تريكي" عن قضية الموت فيقول: "أشخاص هم أعز الناس على نفسي ماتوا.. لم أحزن ليس لأنني بالشخص السيئ أو المتبلد المشاعر ولكن لأنني لا أعتقد أن الموت موجود.. أمي ماتت وأنا صغير ومع ذلك أشعر أنها تعيش معي ولم أفارقها ومازلت أحاول أن أفعل الأشياء التي تحبها وترضيها.. باختصار أنا أرى أن الموت وهم".

في روايته "العالم" التي فازت بجائزة البلانتا وهى أشهر الجوائز الأدبية في إسبانيا يستدعي الكاتب والصحفي الإسباني خوان مياس ذكرى والدته مقترنة بحلم طريف حكاه لأمه عن حفرة حفرها في رمل الشاطئ ليجد بداخلها قطعة من عملة البيسيتة.

بعد ذلك كانت الأسرة على شاطئ البحر فطلبت منه أمه أن يقوم بعمل حفرة لعله يجد البيسيتة التي حلم بها وعندما بدأ في الحفر ظهرت قطعة العملة بالفعل وكأنها الكنز المفقود حتى أنه كان يحكي الحكاية لنفسه كثيرا كواقعة تعني إمكانية تحقق الأحلام دون أن يفهم مغزاها الحقيقي.

هذا المغزى فهمه بطل الرواية بعد سنوات طويلة عندما استلقى على أريكة محللة نفسية دمثة الخلق تدعى مارتا لآثارو وحمى لنفسه ولها حكاية ذلك الحلم الذي تحقق وعندما اعتدل في جلسته كان قد اكتشف أن أمه هى التي خبأت قطعة العملة في الرمل وفي لحظة الاكتشاف كانت أمه قد رحلت منذ أكثر من عام. 

ونظرة الأب أو الأم للابن أو الابنة قد تنطوي بالفعل على رغبة حقيقية في ضمان الخلود وها هو الفنان تريكي يقول لصحيفة الجارديان البريطانية إنه تغير تماما منذ أن أصبح أبا لفتاة وهو ينظر لنجاحها باعتباره أهم بكثير من نجاحه.

هل البحر في أحد تجلياته أكبر قبر في الوجود كما تساءل الكاتب والشاعر بهاء جاهين أم أنه أكبر ساحة للحرية؟!..على أي حال ها هو كاتب مصري يتناول قضية الموت والبحر من وجهة نظره الإبداعية.. ماذا يقول؟!.
على رمال الشاطئ الشعبي-كما يقول الكاتب المصري محمد أبو الدهب في مجموعته القصصية الجديدة "نصوص الأشباح" يقف بطل قصة ويقول: "رأيت أني كبرت في السن جدا وفكرت فيمن يغافلني ويغير نظام جسدي يوما بعد يوم وفي أن الذي فات حتما قد مات ولا يمكن أن يستعاد وتساءلت هل لهذا علاقة بأني صرت مؤخرا أعطي ظهري للبحر كلما زرته"؟!.

لكن بهاء جاهين يتساءل في جريدة الأهرام: "هل يبدع الإنسان احتجاجا على الموت وتمردا عليه؟..هل غريزة حب البقاء عند بعض الناس تتجاوز الخلود البيولوجي المتمثل في الذرية إلى البقاء الأدبي أو الفني أو العلمي في ذاكرة البشر"؟!.

تساؤلات بهاء جاهين جاءت كما يقول عندما التقى لأول مرة بالكاتب القصصي محمد أبو الدهب صاحب مجموعة "نصوص الأشباح" الذي يصفه بأنه من "الكتاب المسكونين بهاجس الموت المنتجين نصوصا تحاول الانتصار عليه بذكره ووصفه والتلميح بما صرحت به شهرزاد في كل حكاياها بأنه هادم اللذات ومفرق الجماعات".

فمجموعة "نصوص الأشباح" كعمل أدبي مقسم إلى خمسة أبواب أولها وأطولها هو المخصص للموت بعنوان "للذكرى الخالدة" أما بقية الأبواب فتتسع للحياة وما فيها من فرح وحزن وحب وموت أيضا.

والبعض يتحدث عن كابوسية العالم والوجود وعبثيته وعماه ومن ثم فإن العجز قدر الإنسان ولا جدوى من السعي في فضاء الزمان والمكان مادام الموت في الانتظار وهى رؤية عدمية تحيل العالم إلى أضيق من قبر رغم اتساعه فيما الزمن ليل حزين أبدا لا يحمل سوى كارثة الفقد!.

والكاتب الروائي البرازيلي بأولو كويليو يسخر من هؤلاء الذين يريدون تحدي الزمن بمحاولات مستمرة لإنقاص الوزن عبر التقليل أو الامتناع عن كثير من ألوان الطعام وهو ما يراه كويليو محاولة يائسة لوقف التطور الطبيعي للأجساد مع تقدم العمر.

يتساءل بأولو كويليو: "لماذا ننشد النحافة"؟!..ويجيب بالقول: "في الحقيقة نحن لا ننشد النحافة لذاتها وإنما نشتري الكتب ونذهب لصالات التدريب الرياضي ونصرف انتباهنا لشيء واحد: أن نقاوم الزمن ونوقف أثر مروره في حين أنه كان من الأجدى أن ننصرف للاحتفال باستمرار الحياة وانتصارنا على الزمن بالبقاء في هذا العالم بدلا من هوس إنقاص الوزن".

الغريب أن البشرية-كما يقول بأولو كويليو- ناضلت على مدى قرون من أجل مكافحة الجوع فمن الذي اخترع تلك القصة السخيفة عن ضرورة أن نقضي حياتنا في البحث عن جسد رشيق؟.. "إنهم قتلة الروح الذين يبشرون بوقف عجلة الزمن".

عن هؤلاء المبشرين بوقف عجلة الزمن ينصج الكاتب البرازيلي بأولو كويليو قارئه: "لاتلتفت لهم واصرف طاقتك في الاستمتاع بالطعام باعتدال وتناوله كغذاء ونعمة للجسد وكخبز للروح الشاكرة.. وعش حياتك"!.

في حضرة الموت قد يسعى الإنسان لمحاولة استنساخ العمر كما لاحظ الشاعر والكاتب فاروق جويدة الذي حكم على هذه المحاولة بالفشل حتى لو نجح العلماء في الاستنساخ البشري موضحا أن ما يحتويه عقل الإنسان من الأحداث والمعلومات والذكريات "مناطق خاصة جدا".

"هل يستطيع الإنسان أن يستعيد صديقا انسحب من حياته واختفى من سجل ذكرياته؟.. هل يستطيع أن يعيش لحظة شوق أو حب أو خصام مع حبيب سافر؟".. يجيب الشاعر والكاتب الأهرامي الكبير فاروق جويدة بالقول: إننا نستطيع أن نعيش هذه اللحظات مع أنفسنا حين نفتح كتاب الذكرى ولكن من أين نأتي بالأشخاص وكيف نستعيد الزمن وما جدوى البحث عن المكان؟!.


في بعض الأحوال بالفعل كما لاحظ فاروق جويدة يلجأ الإنسان إلى بعض الحيل الساذجة: "أن يشتري شيئا كان يوما مصدر سعادة له.. ويجد الشيء ولا يجد السعادة.. أن يتصل بشخص كان يوما يمنحه الهدوء والراحة فيجد الشخص ولا يجد الراحة.. أن يذهب إلى مكان عزيز عليه في جماله وروحه وربما وجد المكان لكن الروح غابت واختلفت الصورة"!.

وفي أحيان أخرى يفتش الإنسان في أوراقه، يتذكر أناسا أحبهم ويكتشف أن الصورة لا تغني عن الأصل. وأنك كما يقول لك جويدة قد تجد الشخص والمكان ولكن من الصعب أن تسترجع الزمن والمشاعر ومن هنا فإن الأفضل دائما أن تترك كل شيء في مكانه حتى لا يفقد قيمته فكثير من الأشياء تخسر كثيرا إذا حاولنا الخروج بها إلى عالم جديد لأن قيمتها في زمن عاشت فيه ومكان ارتبط بها.

هكذا يخلص الشاعر والكاتب فاروق جويدة إلى نتيجة فحواها أن مثل هذه الأشياء ينبغي أن تبقى جزءا عزيزا من ذكرياتنا وأن تبقى كل هذه الوجوه ظلالا جميلة تداعب خيالنا.. فالأحباب الذين هجروا والأصدقاء الذين غابوا وأيام العمر التي نتمنى لو عشناها مرة أخرى ينبغي أن نحفظها في سجل ذكرياتنا دون محاولة استنساخها.

لكن "الأيام أسرع من عداء تركض نحو الموت القادم" وقد لا تكترث بنداء مثل الذي أطلقه الكاتب والشاعر السوري الدكتور عادل قرشولي عندما يقول: "يتقدم مني الموت.. أراه.. أقول له لا تتعجل فمازال لدى أمور لم أنجزها.. فيقول: سينجزها غيرك يوما.. لست وحيدا فوق الأرض "!!.
الجريدة الرسمية