رئيس التحرير
عصام كامل

عباس محمود العقاد يكتب: تاريخ الإنسانية

الاديب عباس محمود
الاديب عباس محمود العقاد
18 حجم الخط

في مجلة الإذاعة عام 1955 كتب الأديب عباس محمود العقاد مقالا قال فيه:

ماضى الإنسانية مسافة شاسعة بعيدة الآماد والأطراف، سواء حسبناها بالأيام أو بالأماكن أو بالأنفس أو بالأوراق المكتوبة عنها.. ولن يكون الحساب بالملايين وأضعاف الملايين.


لكننا نحسب مع هذا أنها على اتساعها وامتدادها قابلة للتلخيص في سطرين إذا كان لها معنى، فإذا كانت حياة الإنسان عبثا ولم يكن له وجهة ولا نظام فذلك مما يقال في سطر واحد.

وإذا كانت ذات وجهة منتظمة فهذه الوجهة تتلخص في فكرة كبيرة، وهذه الفكرة الكبيرة توضع في كلمات معدودات ولو بالعنوان.

هذه المحاولة حاولها عالم التاريخ أرنولد توينبي صاحب كتاب دراسة في التاريخ الصادر عام 1921، والكتاب في عشرة أجزاء استغرق تأليفه قرن كامل في 7000 صفحة.

خلاصة رأيه في سطر واحد وهو أن التاريخ هو طريق الإنسانية إلى الله.

إن تواريخ الأمم والحضارات والعقائد والأخلاق لا معنى لها إن لم يكن معناها هداية النفس الإنسانية إلى حرية الضمير برعاية الإله.

فكل أمة وكل حضارة وكل عقيدة تأتى لترفع في الطريق مصباحا صغيرا أو كبيرا ينير الطريق، وفى تقريرات المؤرخ أن الإنسان قد يصطنع الأعمال والحرف ويخلق العلوم والمعارف.. لكنه لا يخلق عقيدته الدينية، بل تأتيه العقيدة مفروضة على سيرته وشعوره، غير قابلة لشيء سوى التسليم في جوانبها الكبرى.

لهذا تسخره العقيدة ولا يسخرها كما يهوى، وإن خيل إليه أنه يعمل في تسخيرها بهواه.. ولا يتأتى تسخير عقيدة ما إلا إذا غلبتها عقيدة أقوى منها وأحق بالعمل في تاريخ الإنسانية.

وعند العلامة توينبي أن هذه المهمة الأبدية مهمة تعاون بين الحضارات والعقائد، يؤدى كل منها بعض الواجب لتحقيق الواجب كله في النهاية.

لكن هذا الواجب يكبر مع الزمن كلما كبر الإنسان، فلا يزال الإنسان في سعي متواصل ولا يزال متطلعا إلى الكمال.

وستأتى القرون بعد القرن العشرين فلا نذكر منه أنه قرن الطيارة والصناعة وعجائب المخترعات، إنما نذكر منه أنه القرن الذي أصبحت فيه الدعوة إلى الأخوة الإنسانية موضوعا من موضوعات العلم والعمل وبرنامجا واقعيا لا يستغنى فيها قوى عن ضعيف.
الجريدة الرسمية