رئيس التحرير
عصام كامل

توفيق الحكيم يكتب: ضمير الأمة

فيتو

في كتابه "تأملات في السياسة" كتب الأديب توفيق الحكيم مقالا قال فيه:

كنت ذات يوم في حانوت حلاقة.. فقال لى العامل الذي يحلق لى: انظر إلى أصابع يدى التي بها ارتزق بها وجع يقتضى جراحة ومواردى لا تسعفني بأجر العلاج، ولى أطفال بالمدارس أنفق عليهم.. ماذا أفعل؟


وكان بجوار هذا المسكين زميل أجنبي يبدو عليه النشاط والمرح فقلت لحلاقى: زميلك الأجنبي أهو يتقاضى مثلك؟

قال: يتقاضى مثلى تماما ولكن هناك فرقا شاسعا بينى وبينه لكن الجالية الأجنبية التي ينتمى إليها نظمت شئون طبقاتها العاملة، فهو يرسل أولاده إلى مدارس الجالية بالمجان ويحصل منها على ضرورات الحياة بالمجان مما يجعله في مستوى أرقى بكثير من زميل مصرى مثلى يعيش في وطنه وأهله وحكومته.

وأضاف العامل: نحن العمال المصريون قد لا تهمنا زيادة في الأجور بقدر ما تهمنا زيادة في المزايا والمساعدات التي تخفف عن كواهلنا بعض النفقات.

لزمت الصمت لكنى جعلت منذ ذلك اليوم أفكر في مصير هذه الطبقات العاملة وافكر في واجبات الطبقة الحاكمة.

إنهم يتحدثون كثيرا عن محاربة الفقر والجهل والمرض ويعتمدون لهذه الحرب الملايين لكن أكثر الناس لا يشعرون أن الأمر جد وما زال الفقير تفرض عليه أعباء باهظة شأنه شأن الغنى في مواجهة الجهل والمرض.

وكيف تريد من الناس أن تصدق وهم يسمعون خطبا ولا يرون ذهبا.. يرون أصحاب الأموال يخرجون ألسنتهم بالكلام ولا يخرجون محافظهم بالنقود.

هل يوجد في بلد من بلاد العالم اليوم أغنياء يدفعون ضرائب بالضآلة التي يدفعها أغنياء مصر؟

أرسل إلي أخيرا ناشر إنجليزي دفعة من حساب كتاب لى مترجم في إنجلترا.. فرحت بالمبلغ فلما وصلنى وجدت الحكومة الإنجليزية قد استولت على أكثر من نصفه ضريبة فسخطت أول الأمر، لكني وجدت أن من الأغنياء هناك من يقبضون 1% من إيرادهم وتأخذ الحكومة 99%.. إنها المصادرة بعينها تفرض للصالح العام، فلا تندهش إذن إذا وجدنا الطبقات العاملة والفقيرة تجد في إنجلترا كل المزايا المجانية التي تشعرها بأنها عضو حقيقى في امة حية.

هل يقبل الغنى المصرى أن يدفع للحكومة ضريبة تصل إلى 50% من إيراده العام؟

إن محاربة الفقر والجهل والمرض ضرورة أوحى بها ضمير أمة لا أنشودة تتفكه بها أبواق الأغنياء.
الجريدة الرسمية