رئيس التحرير
عصام كامل

هجمات خليج عمان.. هل أدلة أمريكا كافية ضد إيران؟

فيتو

بالنسبة للحكومة الأمريكية، صار من المؤكد أن إيران هي المسئولة عن الهجمات التي استهدفت ناقلتي النفط في خليج عمان الشهر الجاري. الأدلة المتوفرة لحد الآن تتمثل في شريط فيديو و13 صورة.

ماذا تثبت هذه الأدلة؟ وما مدى صحتها؟ازدادت خطورة الوضع في منطقة الخليج الآن بعد إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من قبل إيران. ويعود التصعيد الحالي بين واشنطن وطهران إلى الهجمات على ناقلتي النفط "فرونت ألتاير" من النرويج و"كوكوكا كوريدجيوس" من اليابان في الـ 13 من يونيو الجاري. وفي نفس اليوم اتهمت الحكومة الأمريكية إيران بمهاجمة الناقلات في خليج عمان - باستخدام ألغام مغناطسية، فيما نفت إيران هذه الاتهامات.

من جهة أخرى يؤكد خبراء عسكريون أن وضع أو إزالة الألغام من على متن السفن أمر محفوف بالمخاطر ويتطلب قدرًا كبيرًا من الخبرة. لأن توصيل الأجسام المتفجرة، التي تحتوي على مغناطيس بالسفن- عادة ما يحدث أسفل خط الماء. الفجوة التي أحدثها الانفجار في هيكل السفينة اليابانية "كوكوكا كوريدجيوس"، وفقا لبيانات الولايات المتحدة، موجودة على بعد متر واحد فوق خط الماء بالنسبة للسفينة. الأدلة الأمريكية ضد إيران تركز على هذه السفينة.

الملفت للنظر في هذا السياق هو الموقف المختلف من قبل رئيس الشركة اليابانية المالكة للناقلة، إذ أوضح يوتاكا كاتادا في الـ 14 من يونيو أمام الصحافة أن طاقم الناقلة شاهدوا "أجسامًا تطير فوق الناقلة". لم يتم تقديم معطيات واضحة حول هذا التناقض حتى اليوم.

وأكد إليوت هيجنز من شبكة الأبحاث الاستقصائية "Bellingcat" خلال حديثه لـ DW على أنه: "من الواضح أن هناك المزيد من المعلومات التي يمكن مشاركتها، ومن خلال عدم القيام بذلك، فإن الولايات المتحدة تلحق الضرر بنفسها، وتدع الأمر يبدو وكأن هناك أمرًا تخفيه".

داخل ألمانيا أيضًا، لم ينسَ كثير من المراقبين السياسيين أن الولايات المتحدة بررت الهجوم على العراق في عام 2003 من خلال صور مزيفة. والأهم الآن هو النقاش حول الأدلة التي نشرتها الولايات المتحدة حتى الآن.

أول منشورات أمريكا: فيديو واحد وصورتان

في مساء يوم 13 يونيو، وعلى الساعة 10:20 مساءً بالتوقيت المحلي، نشرت القيادة المركزية الأمريكية في تامبا بولاية فلوريدا شريط فيديو مشوشًا بالأبيض والأسود – على صفحتها الخاصة على الإنترنت وعلى صفحة البحرية الأمريكية وقناة يوتيوب.

ويبلغ طول مقطع الفيديو، دقيقة واحدة و39 ثانية ويُظهر وفقًا للبيانات الأمريكية، محاولة اقتراب قارب دورية للحرس الثوري الإيراني من السفينة اليابانية "كوكوكا كوريدجيوس"، لإزالة لغم لم ينفجر من هيكل الناقلة.

في الواقع، يمكن رؤية بعض الرجال يرتدون سترات النجاة، ومباشرة مع بداية الفيديو يقترب أحدهم من جانب إحدى الناقلات الكبرى. لكن التسجيل غير واضح ومشوش ومتقطع. المقطع لا يظهر المشاهد الكاملة للحادثة. كما أن المعطيات حول متى وكيف تم عمل الفيديو، لا تزال غير واضحة.

إضافة إلى مقطع الفيديو، نشرت القيادة المركزية الأمريكية صورتين معدلتين تظهران "كوكوكا كوريدجيوس" من الجانب ومن مسافة بعيدة. سهمان أحمران يشير أحدهما بشكل واضح إلى ثقب كبير في الجزء الخلفي من السفينة والآخر يشير إلى نتوء في منتصفها.

ويمكن التعرف عليه بصعوبة، كما له شكل دائري أسطواني. ووفقًا للبيانات الأمريكية، شريط الفيديو يثبت إزالة اللغم، الذي لم ينفجر. ويعود مصدر الصورتين إلى المدمرة التابعة للبحرية الأمريكية "DDG-96) "USS Bainbridge)، والتي تتواجد حاليًا في المنطقة، ونقلت في الـ 13 يونيو أيضًا طاقم السفينة المكون من 21 فردًا، الذين سبق أن أنقذتهم السفينة الهولندية "كوستال إس".

تحليل الأدلة المفترضة
باستخدام آليات تَتَبُّع السفن، يمكن تحديد موقع الناقلة وتتبع مسارها عبر مضيق هرمز. وقد كانت الناقلة قبالة ساحل إيران وقت الانفجار. وتثبت المقارنة المفصلة مع الصور الأقدم للناقلة أنه يمكن مشاهدة الناقلة اليابانية "كوكوكا كوريدجيوس" في الفيديو، الذي نشرته الولايات المتحدة.

وتشير الصور المتاحة للعموم إلى أن القارب الصغير بالقرب من ناقلة النفط من المحتمل أن يكون قاربا سريعا من نوع "Gashti" (جاشتي)، الذي تستخدمه إيران. لكن لا يمكن تحديد هوية الأشخاص على متن القارب وما يفعلونه بالضبط. كما لا يمكن التحقق من مكان ووقت تسجيل مقطع الفيديو.

يشتبه إليوت هيجنز، مؤسس شبكة الأبحاث الاستقصائية Bellingcat (بلينجكات)، في حذف متعمد لبعض مقاطع الفيديو، حيث تُظهر الصور الأولى "كيف يقوم الإيرانيون بإزالة شيء من جانب السفينة، يُزعم أنه اللغم، لكنهم لا يعرضون صورة واحدة واضحة عن الشيء نفسه".

كما تبدأ اللقطات مباشرة عند النقطة التي تُظهر الشيء المعني وقد أُزيل - لكن غالبًا ما يحجب هذه اللقطة الرجال على متن السفينة. ويتساءل هيغنز: "لماذا لا تُظهر الولايات المتحدة المقطع انطلاقًا من الثواني السابقة، عندما لا يتم إخفاء الجسم؟".

دليل آخر - إحدى عشرة صورة جديدة

لم يحصل نشر الفيديو والصور على التأثير المطلوب بين الشركاء الغربيين. وفيما عدا الولايات المتحدة، فإن الحكومة البريطانية وحدها من تتهم إيران علنًا ​​بمهاجمة ناقلتي النفط في خليج عمان. في 17 يونيو توجهت وزارة الدفاع الأمريكية إلى وسائل الإعلام بشكل مباشر. الأدلة الجديدة هي عبارة عن إحدى عشرة صورة ملونة مرفقة بوثيقة تضمنت شرحًا تفصيليًا للصور. بالإضافة إلى جدول زمني، يسترجع بلغة عسكرية ملخص أحداث 13 يونيو 2019 في خليج عمان.

الصور تتمتع بجودة أفضل من الفيديو وتُظهر التفاصيل عن قرب. إحدى هذه الصور والتي تم التقاطها باستخدام كاميرا من نوع Canon EOS 80D، تُظهر "بقايا" من الألغام التي تمت إزالتها. يبدو الجسم وكأنه حامل مغناطيسي.

ومن الأشياء المرئية كذلك جسم معدني دائري ملتصق بالجدار الجانبي للناقلة، مما يشير إلى وجود حاملات مغناطيس أخرى في السابق استخدمت لتثبيت الألغام. ولكن هل هذا جدار النافلة اليابانية "كوكوكا كوريدجيوس؟" من دون أدنى شك، لا يمكن التحقق من هذا من خلال الصورة. كما أن السؤال المطروح هنا، لماذا تمت إزالة جميع المغناطيسات باستثناء هذا الواحد؟

في الوقت نفسه، قامت البحرية الأمريكية بالتحفظ على بقايا اللغم المزعوم وعرضها للعموم في ميناء إمارة الفجيرة. الأجزاء لها "تشابه لافت للنظر" مع الألغام، التي تستخدمها إيران، حسب الضابط في القيادة الوسطى للقوات البحرية الأمريكية شين كيدو، الذي أضاف أن الفجوة الموجودة في الجدار الجانبي للسفينة هي على الأرجح نتيجة انفجار لغم وليس لتأثير جسم طائر.

صورة جوية أخرى واضحة، يفترض أنها تظهر القارب السريع للحرس الثوري الإيراني بعد إزالة اللغم. وعلى متن القارب يظهر تسعة رجال يرتدون الزي العسكري. جميعهم، فيما عدا اثين، يرتدون سترات النجاة. لون زيهم الرسمي يميل إلى الزيتي الغامق. وإذا بحثت في شبكة الإنترنت عن صور للحرس الثوري الإيراني، ستجد زيًا مشابهًا له. ليس هناك شك في أن الأمر يتعلق بقارب دورية من طراز Gashti. جميع المواصفات متطابقة. لكن النقطة المفصلية هي أن الناقلة المستهدفة غير مرئية في هذه الصورة.

وفقا لمعلومات من البنتاجون، تم التقاط خمس من الصور الإحدى عشرة من طائرة هليكوبتر. وفي ثلاث حالات، تتطابق زاوية الصور ولقطاتها مع مقطع الفيديو. وهذا يشير إلى أنه ربما تم تسجيل الفيديو أيضًا من طائرة هليكوبتر.

تنتمي طائرات الهليكوبتر من طراز "Seahawk" (سي هوك) إلى معدات المدمرة الأمريكية USS Bainbridge DDG 96. ومن خلال الجدول الزمني للبنتاغون، يبدو أن المدمرة عملت "باستمرار" في 13 يونيو على مراقبة التحركات حول الناقلة "كوكوكا كوريدجيوس". المراقبة كانت بين الساعة 09:20 و14:15 حسب (التوقيت العالمي- غرينتش). وتشير هذه المراقبة التي استمرت لساعات إلى أن هناك أدلة أكثر بكثير مما تم نشره حتى الآن.

إعادة تقييم للأدلة المفترضة

قدمت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مقطع الفيديو وإجمالي الصور الـ 13 سلسلة من الأدلة والتي علقت عليها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في 18 يونيو/ حزيران بهذه الكلمات: "نحن نتعامل مع ما تم إعلانه بجدية كبيرة، وهناك أيضا قرائن قوية ".

ولكن لا تظهر أي من الصور التي تم تقديمها لحد الآن لـ "كوكوكا كوريدجيوس" أي لغم مغناطيسي. كما أنه لا شيء يدل على تثبيت اللغم من قبل الجنود الإيرانيين. وحتى يومنا هذا، لا يوجد دليل واضح يمكن التحقق منه بشكل مستقل على أن الناقلتين قد هوجمتا بالفعل باستخدام ألغام مغناطيسية في خليج عمان في 13 يونيو/ حزيران، وأن إيران هي المسئولة.

في وقت الهجمات التي وقعت في الصباح الباكر من يوم 13 يونيو، كانت المسافة الفاصلة بين الناقلتين عشرة أميال. في بادئ الأمر أعلنت الناقلة النرويجية "فرونت ألتاير" عن حالة طوارئ، على إثر اندلاع حريق كبير على متنها. ولكن بالنسبة للولايات المتحدة، لم يلعب هذا الحادث الذي وقع على هذه الناقلة، أي دور.

من جانب آخر ثبت وجود العديد من القوارب الإيرانية بالقرب من الناقلتين في خليج عمان. إحداها نقلت في 13 يونيو، طاقم الناقلة المحترقة "فرونت ألتاير" على متنها، والتي سبق أن أنقذتها سفينة الشحن البريطانية "هيونداي دبي". لكن إيران نفسها حصرت نفسها حتى الآن في الهجمات الكلامية ولم تساهم بأي شيء في توضيح ما حدث خلال الهجمات.

وتحدث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على موقع "تويتر" عن "دبلوماسية التخريب" واتهم الولايات المتحدة بالتحريض على الحرب.

تبادل للاتهامات من الجانبين. لكن الإلقاء باللوم والمسئولية غير ممكن من دون تدقيق مستقل وأدلة واضحة. ويذكر أنه في وقت سابق من 12 مايو، تعرضت أربع ناقلات نفط بالقرب من مضيق هرمز لأضرار بسبب مهاجمتها. آنذلك وجهت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب اتهامات خطيرة ضد إيران.

هذا المحتوى من موقع دوتش فيل اضغط هنا لعرض الموضوع بالكامل


الجريدة الرسمية