رئيس التحرير
عصام كامل

التابلت يواجه البوتاجاز!


انتهى طلاب الصف الأول الثانوي من امتحاناتهم الخميس الماضي، بعد أن خاضوا تجربة الامتحانات من خلال "التابلت" و شهدت في أيامها الأولى أخطاء ومشكلات تقنية قبل أن يتم العمل على تداركها في الأيام التالية..


وأحيانًا تتواجد الأسئلة المنطقية ببساطة متناهية لدرجة أنك تندهش من أن الوزير المختص لم يفكر بها، ألم يكن من الأسهل أن يتم تجريب الامتحان عن طريق "التابلت" على مستوى مدرسة أو مديرية تعليم أو محافظة واحدة فقط قبل أن يتم تعميم التجربة على مستوى الجمهورية؟!

ولماذا الدفاع المستميت عن الدكتور طارق شوقي في وسائل التواصل الاجتماعي من جانب بعض الذين يرفضون انتقاده من منطلق أنه خبير في التعليم ولا يجوز أن يتحدث أحد عن نظام التعليم في وجوده؟.. ولماذا يحاول البعض نشر "مظلومية" حول الوزير بأن المشكلة تكمن في تربص أولياء الأمور أو تعليقاتهم السلبية.. وكأن ولي الأمر يجب ألا يقلق عندما لا يتمكن ابنه من أداء الامتحان؟!

ورغم الأخطاء في التطبيق العملي، فإن نظام "التابلت" عبارة عن الوسيلة التكنولوجية لأداء الامتحان ولكن نظام التعليم الجديد يتعلق بتطوير المحتوى نفسه وطبيعة الامتحانات وهو ما نتمنى أن تنجح الدولة في تطويره بصورة تجعل تحصيل أبنائنا الصغار في المراحل التعليمية المختلفة أفضل مما استطعنا تعلمه في مدارسنا، لتصبح مدارسهم أفضل بالضرورة من مدارسنا.. وأفضل بمراحل من مدرستي الابتدائية تحديدًا التي لها حكاية ربما تستحق أن تروى.

تبدأ الحكاية معها في الابتدائي عندما عرفت وقتها أن مدرستي تحمل الشعار الثلاثي "نظيفة.. منتجة.. متطورة" وهى الكلمات التي حرصت الإدارة على كتابتها بخط ضخم فوق السور المتهدم.

وجد مدير المدرسة أن تحقيق شعار النظافة يمكن أن يتم بشكل مجاني عبر استخدام الطلبة المغضوب عليهم ممن لم يدفع أولياء أمورهم المصروفات الدراسية، لذا كنت مع زملائي نتعاون في تنظيف "حوش" المدرسة.

أما عن الإنتاج فقد اقتصر على غرفة صغيرة كانت يومًا مخزنًا للمهملات، ثم أصبحت مصنعًا لإنتاج المِربى يعتمد على بوتاجاز قديم يعود لأيام الملكية.. ونظرًا لأن "المُربي" الفاضل كان يحب "مِربى" الفراولة لذا فقد جعل الطلاب تشارك في عمليات الإنتاج المختلفة من تنظيف الفراولة، وتقطيعها، وطهيها بينما أهمل آخرون عملية التربية والتعليم لينشغلوا فقط بعملية التعبئة والتعليب، حتى أصبحت الطاقة الإنتاجية كافية لإشباع المدير، لذا حقق المصنع أهدافه الإستراتيجية.

ويبدو أن أحدهم لم يفهم المقصود بكلمة "متطورة" فتم حذفها ليُوضع محلها (أين أنت يا صلاح الدين؟).. فأصبح شعارنا الجديد (مدرستي، نظيفة.. منتجة.. أين أنت يا صلاح الدين؟).

تمنيت أن يأتي شبح "صلاح الدين" ممتطيًا جواده شاهرًا سيفه لعله يصادر المدرسة، أو يفرض غرامة على المدير الذي طالما أوجع رأسي بإلحاحه في طلب المصروفات، أو على الأقل يخيف المدرسين الذين كانوا خليطًا متضاربًا لا يجمعه إلا الدروس الخصوصية؛ وقد أخبرني يومًا مدرس الإنجليزية بأنني موهوب في اللغة، وسوف تزداد معرفتي إذا أخذت درسا خصوصيا لديه، وذلك قبل أن يتجاهل موهبتي المزعومة عندما علم أنني من كبار المسئولين عن نظافة "الحوش".

اعتقدت الإدارة أن الرسم والموسيقى والقراءة في المكتبة أقل أهمية من الرياضيات والعلوم والدراسات لذا تم حرماننا نهائيًا من دروس الموسيقى، مع تقليص حصص الرسم، والتي كنت أستمتع بها كثيرًا رغم إنه تم عقابي بعد أن رسمت موضوعًا عن حرب أكتوبر، متضمنًا الدبابات والمدافع والغواصات وخط بارليف والجنود والشعب، ونسيت رسم "الطائرة" التي كانت تمثل رمز المعركة أيام الرئيس الأسبق، فكان مصيري الوقوف في نهاية الفصل، واضعًا رأسي في مواجهة الحائط رافعًا يدي لأعلى، وهو نفس ما يحدث عادة لأسرى الحرب!

أما المكتبة فقد أصبحت زيارتها اختيارية في أوقات الراحة، ولم يدخلها غيري وهناك تعرفت على ألوان مختلفة من الحشرات الزاحفة والطائرة، وكان لقائي الأول بالفئران، وبجوار كل هذه الفوضى التقيت مجموعة من الكتب والقصص التي ساهمت في تشكيل وجداني.

بعد مرور سنوات وجدت أن معظم ما درسته لم يسعفني -إلا قليل- في حياتي العملية، وحزنت عندما أدركت أن مصروفات المدرسة الابتدائية الخاصة، والتي كانت ترهق ميزانية أسرتي لم تقدم ليَّ سوى خدمة أقل سوءًا من المتواجدة في المدارس الحكومية، لأنه يبدو أن الدولة لم تهتم لعقود بالاطلاع على التطورات التربوية والتعليمية، وبدوري لم اهتم بالاطلاع على أعمال وزارات التعليم المتعاقبة، لإيماني بأن الوزير المتواجد على رقعة الشطرنج أكثر حيوية وفائدة من معظم وزراء الحكومة، ولمعرفتي بأن الدولة لا تهتم بمؤلفات رفاعة الطهطاوي ومنها "المرشد الأمين للبنات والبنين" قدر اهتمامها بمرشد المباحث وأمين الشرطة!

الاهتمام بتعليم الصغار هو الحل الأكبر لمعظم مشكلاتنا، ففي الابتدائي كنا صغار الحجم قصار القامة، لكننا نحمل بداخلنا بذور ما أصبحنا عليه الآن، حيث تأسس فكرنا وتشكل وجداننا وتكوَّنَ وعينا عبر كل درس تعلمناه، وكتاب قرأناه، وموقف مررنا به.

نتمنى نجاح نظام التعليم الجديد، وأن يتعلم الوزير من الأخطاء والمشكلات التي واجهته، لأننا نتمنى في النهاية أن نشاهد أبنائنا دائمًا مع "التابلت" يتعلمون ويبحثون عن المعرفة بأنفسهم وليس أمام "البوتاجاز" يتعلمون طرق صناعة المربي !
الجريدة الرسمية